التطهير الأمثل بقلم محمد أحمد عزوز

.

التطهير الأمثل
منذ فترة طويلة، ويتهم بعض القضاة بالفساد الإداري والأخلاقي، لأن منهم مرتشين، وبعضهم مسيسون، وليس هذا خطأً أو قدحاً في كل القضاة، أو في مهنتهم الشريفة، التي نعتبرها تاجاً على رؤوسنا، ويتمنى الكثيرون منا إلحاق أبنائه بها، لأن اللفظ لا يشمل العموم، بل جاء بالخصوص، لأن القضاء شأنه شأن أي مهنة أخرى، فيها الصالح والطالح، وليست المطالبة بتطهيره تعدياً عليه أو على العاملين فيه، فليس بخافٍ على كل لبيب أن الفساد شاب كل مفاصل الدولة، ولم يترك منها مؤسسة إلا ولحقها، وكلها تحتاج للتطهير.
بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، التي أطاحت الرئيس مبارك، وتتالي أحكام البراءات للمدانين في قتل الثوار، لأن إعدام الأدلة والأحراز بالنيابة العامة، والتي كانت بأمرٍ مباشر من النائب العام المقال، عبد المجيد محمود، أجهضت مساعي أهالي القتلى والجرحى المطالبين بالقصاص لأبنائهم، وأفقدتهم الأمل في نزاهة القضاء، لأن أوراق القضايا وصلت إلى هيئة المحكمة الموقرة خالية من المضمون، فكانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، وأدت إلى المطالبة بتطهير القضاء، وإقالة النائب العام، بالمشاركة مع القوى السياسية المختلفة، التي حمستها لهذا التطهير، لأنها رأت فيه إصلاحاً لهذه المؤسسة الشامخة.
استجابة لهذه المطالب، أصدر الرئيس مرسي قراراً بإقالة النائب العام، لكن القرار لم يرُق للبعض، خاصة جبهة الإنقاذ، التي، وللأسف الشديد، يتزعمها أصحاب المصالح، الذين اتحدوا مع رجال أعمال محسوبين على النظام السابق، لتمويلهم بكل ما يحتاجونه من أموال، يعلمون أنها منهوبة من دمائنا، لزعزعة الأمن والاستقرار، مستخدمين في ذلك وسائل الإعلام الصفراء، التي برعت في قلب الحقائق، لتهييج المواطنين، وإفقادهم الأمل في غدٍ أفضل، لمساعدتهم على الإطاحة بالرئيس المنتخب، عقاباً له على رفضه مشاركتهم في الحكم.
اقترحت بعض القوى السياسية، خاصة الإسلامية منها، خفض سن تقاعد القضاة، ليصبح ستين عاماً، مثل باقي مؤسسات الدولة، وهو ما لاقى رفضاً قاطعاً من نادي القضاة، الذي يترأسه أحمد الزند، حليف النظام السابق، بحجة أنه عدوان على القضاء، وسعي لأخونته، رغم أن القانون المعمول به في البلاد، منذ فجر التاريخ، ينص صراحة على أن سن التقاعد ستون عاماً، وما كان يحدث سابقاً هو تجاوز للقانون.
طبيعي أن يكون النظام ضعيفاً بعد الثورة، ولا يستطيع السيطرة على البلاد بالشكل اللائق، وهذا منح الفرصة لأصحاب المصالح لتنظيم مظاهرات ووقفات احتجاجية، ظناً منهم أنها الطريقة المثلى لإسقاطه، والاستيلاء على الحكم، رغم أنهم فقدوا مصداقيتهم أمام حلفائهم، لأنهم ظهروا على حقيقتهم.
أتمنى أن يكون الطاقم الرئاسي أوعى من ذلك، ويعدل عن هذا القرار، وإذا أراد تطهير القضاء، فعليه أن يستعين بالرقابة الإدارية، لدراسة ملفات القضاة، وإقالة المرتشين منهم، ومن يثبت فساده، أو استغلاله لوظيفته، لأننا في حاجة ماسة للشرفاء من شيوخهم، فهم أصحاب باعٍ طويلٍ في هذا الحقل، والمرجعية للنشء، وهذا هو التطهير الأمثل، وسيكون أقل وقعاً وإيلاماً عليهم، ولا يعطي فرصة للمعارضين، لزعزعة الأمن والاستقرار.
أسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء، ويصلح أحوالنا، ويشفي فساد قلوبنا، ويولي علينا خيارنا ... إنه ولي ذلك والقادر عليه
محمد أحمد عزوز
كاتب مصري

الأرشيف

الإحصائيات