في الأشهر الحرم دماء تسيل وحرمات تنتهك بقلم سلوى المغربي

.

في الأشهر الحرم دماء تسيل وحرمات تنتهك

سلوى المغربي

لا تكاد تمر نشرة أخبار وخاصة في هذه الأيام إلا وتمتلئ بأخبار عن دماء مسلمة تسال , وبالأمس كنا نتألم ونحزن وتزداد دموعنا عندما يُقتل المسلمون على أيدي أعداء الدين , ولكننا اليوم أشد ألما إذ أن أكثر الدماء المسلمة  تسيل على أيدي مسلمين أيضا , ويشتد الألم والحزن عندما تسيل تلك الدماء في الأشهر الحرم التي نسيها الناس ونسوا أن حرمة الدم المسلم في كل الأحوال عظيمة ولكنها في تلك الأشهر التي حرم الله فيها القتال وظلم المسلم لأخيه المسلم أشد خطرا وأكثر جرما .



فقد اختص الله عز وجل أناسا وشهورا بالفضل والتكريم , فاختص من الملائكة والبشر من اصطفاهم برسالاته , واختص من الشهور أربعة أشهر حرم , وهم : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب .

فقال تعالى : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } التوبة36

فعندها يدور الزمان دورته وتأتينا شهور الخير والبركة والطاعة والإقبال على الله عز وجل , ومن نعم الله علينا أن هدانا إلى الإسلام ,ومن نعمه أيضا أن أهدى إلينا شهور الطاعة المباركات , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القَعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان } رواه البخاري ومسلم .

والنفس البشرية من طبيعتها الإقبال على العمل الصالح تارة والفتور تارة أخرى , ومن حكمة الله عز وجل أن وهب لنا شهورا معدودات تزيد فيها الطاعات , فننهل من رحيق الإيمان ما يروي ظمأنا ويعطينا الدفعة الإيمانية المتجددة  التي تعيننا على مواصلة الطريق إلى الله .

وللأشهر الحرم مكانةً عظيمة وحرمة كبيرة فيجب على المسلم مراعاة حرمة هذه الأشهر لما خصها الله به من المنزلة والفضل الكبير , ولهذا يجب اغتنامها  والحرص عليها نظرا لمضاعفة الحسنات فيها , وكذلك يجب الحذر من الوقوع فيها في السيئات والمعاصي والآثام تعظيما وتقديرا لما لها من حرمة ، ولأن المعاصي تعظم بشرف المكان وكذلك الزمان الذي حرّمه الله , قال ابن عباس رضي الله عنهما : { خص الله من شهور العام أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن والعمل الصالح والأجر أعظم } .

وللدماء حرمة عظيمة عامة وفي الأشهر الحرم أعظم وأجل , وذلك منذ قديم الأزل في شريعة إبراهيم عليه السلام , واستمرت حتى في أيام  الجاهلية وقبل الإسلام عظمها العرب وحافظوا على حرمتها والتزم العرب في الجزيرة بما تبقى فيهم من شريعة إبراهيم عليه السلام بعدم القتال في الأشهر الحرم

وجاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق و بقيت لهذه الأشهر حرمتها ونهي المسلمون عن انتهاكها , قال تعالى:﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ التوبة: 36.

وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحُرُم أعظم خطيئةٍ ووِزْرًا من الظلم فيما سواها وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. وقال: "إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رُسلا ومن الناس رُسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجدَ، واصطفى من الشهور رمضانَ والأشهرَ الحرمَ، واصطفى من الأيام يومَ الجمعةِ، واصطفى من الليالي ليلةَ القدرِ فعَظِّموا ما عظَّم الله.

وذهب بعض أهل العلم إلى حرمة القتال هجوماً في الأشهر الحرم إلا أن يكون قد ابتدأ قبلها، فحرموا الهجوم على المشركين الكافرين أهل الضلال , جعلت الشريعة الإسلامية السمحاء لهؤلاء حرمة وهم أعداء الله.

وها نحن قد توالى علينا أكثر من عام هجري , وشهر حرم تلو الآخر , وللأسف تغافل أكثر العلماء والدعاة والوعاظ عن تنبيه الناس - حكاما ومحكومين -  بتحريم القتال فيه , ولم ينتبه المسلمون أو يشعروا بانقضاء الأعوام والأشهر الحرم دون أن يرتدع أحد أو يتوقف عن سفك الدماء المسلمة

ويحدث ما نراه مما يدمي القلب في هذه الأيام من مذابح وجرائم ترتكب في حق المسلمين من بني جلدتهم المسلمين في أقطارنا العربية الإسلامية دون مراعاة لدين ولا أعراف , فانتهكت كل الحرمات التي غلظ الله في معاقبة من يقترفها , وعلق في عاتق القاتل ظلما جزاء من قتل العالم بأسره , وقد شدد الله عز وجل في كتابه الكريم على تحريم قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق وكذلك شدد على عدم قتل المؤمن بدون وجه من وجوه الحق , فقال تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) ..  أي من قتلها بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا وعاقبته انه سيصلـي النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعاً  , ومن كان سببا في رفع قتل الظلم عن شخص مظلوم كان كمن أحيا الناس جميعا .

وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].

وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف ما نحن فيه - من هرج ومرج وسفك للدماء ونزاعات وفتن - للصحابة رضوان الله عليهم فيما رواه ابن ماجه وأحمد وصححه الألباني ويقول:" عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ» . قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ» . قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ، إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا» ، قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ» قَالَ عَفَّانُ: فِي حَدِيثِهِ قَالَ أَبُو مُوسَى: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا، إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ، إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا وَلَا مَالًا»

وورد في شرح سنن ابن ماجه: لا، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان ـ فقوله: لا ـ نفي لما قبله، و: تنزع ـ بيان ذلك النفي، أي لا يكون ذلك مع عقولكم، بل ينزع عقول أكثر ذلك الزمان لشدة الحرص والجهل، والهباء الذرات التي تظهر في الكوة بشعاع الشمس، والمراد ههنا الحثالة من الناس

وهذا ما نراه الآن من عصبيات وجهل وادعاءات كاذبة لأناس لقبوا أنفسهم بالنخبة لا يفقهون شيئا ولكنهم يتقدمون المشهد رافعين راية التنوير والرشد .

الحكمة من تحريم القتل في الأشهر الحرم:

هذا التحريم شامل كل شهور العام ولكن في الأشهر الحرم أشد , وترجع الحكمة من تحريم القتال في الأشهر الحرم كما أوضحها ابن كثير في تفسيره حيث قال: وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد، وواحد فرد، لأجل مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر وهو ذو القعدة ، لأنهم يقعدون فيه عن القتال ، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك ، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين ، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمناً.



نسي المسلمون تعظيم حرمات الله وباتوا يسفكون الدماء التي حرمها الله في أشهر حرمت في كتابه العزيز ,عندما غابوا عن دينهم وبعدوا عن التمسك بسنة نبيهم وعندما غفلوا عن تدارس تعظيم وتوقير الله في قلوبهم

وللأشهر الحرم آداب وأحكام ينبغي للمسلم أن يتعلمها ويعمل بها؛ حتى يكون ممن يعظِّمون حرمات الله , قال تعالى : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (الحج: من الآية 30)، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: من الآية 32)

ومن هذه الأحكام والآداب:

- الحذر من الوقوع في المعاصي وما حرم الله ، فكما سبق الذنوب فيها تتضاعف لحرمتها، مثل مضاعفتها إذا ارتُكبت في البلد الحرام مكة، قال تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ التوبة: من الآية 36.

- الإكثار من الأعمال الصالحة من صيام وقيام وصدقة وزكاة وصلة أرحام وإدخال السرور على المسلمين وخاصة المساكين ,لان الحسنات في تلك الأشهر تتضاعف أيضا كما تقدم في كلام بن عباس

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ سُلاَمَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ : كُلَّ يَوْمٍ يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ . رواه البخاري ومسلم .

- تخصيص الصيام في الأشهر الحرم لما له من منزلة عظيمة عند الله تعالى كما اخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم , وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) .  رواه مسلم

- اغتنام صوم تاسوعاء وعاشوراء وهو اليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى من الغرق كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا : هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِه

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ ) [ أخرجه البخاري في " صحيحه



- تعظيم حرمات الله وتغليظ الدية في تلك الأشهر لان العبادلة وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم غلظوا الدية في القتل  وإن اختلفوا في كيفية التغليظ , ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم فكان إجماعاً

-- -----------------------------------------


الكاتبة : سلوى المغربي

مصر

كاتبة تربوية إسلامية

الأرشيف

الإحصائيات