قصة قصيرة : طعن في حكم الحب بقلم احمدمحمدجلبي

.

قصة قصيرة : طعن في حكم الحب*

فوضي كاملة وظلام‏,‏ ارتطام‏,‏ ساق تتقدم ساقا‏,‏ تحسست نقاط ومواضع‏,‏ لامست يدي زر النور‏,‏ يوم آخر ينتهي بي للمكان‏,‏ عقب وصولي مباشرة وثب الهاتف‏,‏ أعرف انها تتحدث دائما في ذات التوقيت‏,‏

تولي جهاز الرد الآلي المهمة‏,‏ ارتفع صفيره ومن ورائه صوتها يصرخ بعصبية شديدة‏:‏ أنت اذن لا تقدر تضحياتي وتعتبرني‏(‏ بايرة‏)‏ ورامية نفسي عليك‏,‏ طيب حتشوف؟‏,‏ ارتطام آخر صك أسماعي‏,‏ خاطرت بالاقتراب منه وإعادة شريط الرسائل المسجلة‏,‏ وتركت لي عددا آخر كبيرا قبل رسالتها الأخيرة‏,‏ تذكرت عددا آخر من نصائح الأقارب والأصدقاء ألا أقترب منها‏,‏ تستاهل ادفع ثمن غبائك واندفاعك نحوها‏,‏ سوف تضغط علي أعصابك من الآن ولشهور قادمة‏,‏ كانت دائما كابوسا‏,‏ لم أبذل ضدها ما يستحق من المقاومة‏,‏ فضلت أن أهرب من الساحة‏,‏ أغلق كل وسائل الاتصال‏,‏ ذلك يمنعها حتما من حشد قواها‏,‏ لن تطولني‏,‏ نعم سوف أظل هاربا لشهور طوال‏,‏ أطول من تلك المدة التي اختفي فيها خطيبها السابق صحيح أن موضوعنا لم يصل إ لي إجراءات الارتباط الرسمي مجرد كلام وجس نبض‏,‏ الا أنه لم يمنعها من أن تعتبره كما لو كان كتب كتاب‏,‏ لو كنت أعرف‏..‏ آه لو‏..‏ لا فائدة‏,‏ تلمست طريقي حتي السرير وسرعان ما غرقت في كوابيس جديدة تماما‏.‏
‏***‏
يمتلك بلورة سحرية‏,‏ يمكنك أن تشاهد فيها صفاء السماء وغروب الشمس وزرقة البحر‏,‏ لم أصارحه بأن عينيه تأسراني بشدة‏,‏ أحس بأنني أتطلع فيهما بجرأة من له الحق في الإطلال علي روحه من خلالهما‏,‏ سمح لي دونما مساءلة‏,‏ مثلي لا يريد افساد متعته‏,‏ ما يبثه هذا من غرور في كيانه وهو يراني تابعة مقتفية أثر خطواته‏,‏ أثر نظراته وكأني لا أريد أن يتحول عني لحظة‏,‏ أعترف بأنني أجرأ منه في التعبير عن مشاعري لكنني لست ماهرة مثله في جذب الآخرين الي جانبي‏,‏ تعارفنا جاء بسيطا وأحسبه عفويا تماما‏,‏ جو خريفي مثالي‏,‏ قدم نفسه قبل أحد الاجتماعات في المؤسسة التي أعمل بها‏,‏ جاء مسلحا بإحصائيات وخرائط للأسواق وخطط تباهيت بأنني مهندسة التصميمات فقال‏:‏ أعمل مع هشام أبو الغضب‏,‏ طفح الاندهاش علي وجهي فأسرع يوضح‏:‏ هشام أخو المهندس هاني مدير ادارة الشركة‏,‏ أطلقت عليه هذا الاسم لأنه لا ينفك يغضب علي كل وأي شيء ابتسمت في جفاء وأنا أردد‏:‏ جرأة تحسد عليها‏,‏ عقب بتحد‏:‏ انها كذلك فعلا؟ ابتعدت‏,‏ لم يعجبني‏,‏ لا طريقته ولا معابثاته التي تصل لدرجة الاستخفاف بمديريه‏,‏ لكنه نجح في تشتيت تركيزي في عملي لصالح أن أتابع ما يقوم به‏,‏ كان قد استحوذ علي جميع من في صالة الاجتماع يدعي أنه عليم بحركة السوق‏,‏ كيف يتم ترويض العملاء‏,‏ وجعل موضوعات الماركت في خانة الإثارة رغم جفاف بحوث التسويق والأرقام‏,‏ أصبح هشام مديره المباشر مؤيدا ومناصرا لاقتراحاته بحماس‏,‏ صديقان يغطي كل منهما الاخر‏,‏ أظن انني انبهرت وقتها حسن نظرتي إليه‏,‏ بدا مناسبا لفتاة مثلي‏,‏ عرفت طريق ادارة المبيعات والمنافذ ومعارض الشركة في القاهرة والمحافظات‏,‏ أصبحنا نخرج معا‏,‏ اخترع مبررات لالتصاقي به في العمل وبعد انتهائه‏,‏ تغير طعم الدنيا‏,‏ نظرت فإذا اليوم كئيبا اذا لم التقيه الدقائق ساعات والأيام دهور اذا سافر وبعد‏,‏ مضت الايام مسرعة لتقارب العام وانتهزت أول فرصة تالية لكلام مباشر في سبيل عرض واضح‏,‏ في أثناء عشاء هاديء قال‏:‏ رائع ذلك الثوب‏,‏ ماذا فعلت كي يكون هكذا‏,‏ يتملقني بشدة أو قد حان الوقت‏:‏ كنت قلقة ألا يعجبك‏,‏ فالكم قصير ويصف الذراعين‏,‏ أسرع بالمقاطعة ـ‏:‏ لكنه يخفي الصدر والسيقان وهذا هو المهم‏,‏ ارتسم تعبير علي وجهي دهشة وامتعاضا‏,‏ أكمل‏:‏ أعني أنه جميل ويصد لصوص النظر‏,‏ أدرك ويعجبني ذوقك الراقي في الاختيار‏,‏ ها قد بدأ يتصنع المديح‏,‏ عباراته تخرج مضطربة وباهتة وتغيرت ملامح وجهه‏,‏ سارعت بانتهاز الفرصة‏:‏ كنت قلقة ولكن لماذا أقلق تعابير الاستفسار وهو يردد عبارة القلق ذاتها‏,‏ تراجعت يده الممدودة عبر الطاولة وتحركت أقدامه تحتها‏,‏ هززت رأسي مرات‏:‏ ما بيننا قد أصبح حالة تستدعي العلاج‏,‏ حوارات تليفونية لا تنقطع ليلا أو نهارا‏,‏ شكل العلاقة بيننا يضايقني‏,‏ يضغط حتي في أحلامي‏,‏ حلمت أنني أقبض علي رقبتك بكلتا يدي ضحك‏:‏ لا يزعجك هذا فهو فأل حسن‏,‏ حين تتعلق فتاة برقبة حبيبها فهي إشارة لارتباطهما‏,‏ ما عدت أدري إن كان يتهكم ليخفي مفاجأته بهجومي أم هو جاد ونيته تنصرف إلي‏,‏ لقد اقتربت من مما أريد‏.‏
‏***‏
أملا ألا يراه النائمون‏,‏ تخفي النور وصعد رويدا حتي قمة سطح البرج المقام علي رقعة ربوة في ارتفاع التل السامق‏,‏ قادمون من مسافة‏,‏ سنفطر معا‏,‏ استقبلنا نباح كلب صغير‏,‏ بالكاد يعرفنا لو أن ذاكرته تحتفظ بلعبنا معه وبه كان يرمح وراء السيارة وهي تقترب من المنزل‏,‏ ليس منزلا‏,‏ انها أرض وحديقة ودواراً بسعة القصر‏,‏ لا يربون كتيبة كلاب‏,‏ مجرد عجرود أبيض نادر المثال يضيف وجاهة طبقية علي ابنتهم شودي‏,‏ كان ينتظرنا علي أطراف السلم تخطاه حتي وصل مكان إيقاف السيارة وها هي اللحظات حتي احتوانا التراس والترحاب الحار‏,‏ سارعت بالقفز حين أطلت‏,‏ تنتظر قدومنا بالتأكيد تفاصيل كثيرة تغيرت لا تخفي عن عين مراهق يلتقي برفيقة صباه‏,‏ تصنعت الوقار وهي تميل مقبلة أمي‏,‏ أختي الاصغر‏,‏ لاحقتها عبارات صرت كبيرة الآن لا أنكر‏,‏ جو البلد بيكبر قبل الآوان ألن نلعب؟‏,‏ صيحة استنكار‏:‏ ولد؟‏!‏ يضحك عم هشام ويقذف بكلمة‏:‏ يشبهك‏,‏ تتدخل أسماء الصغيرة‏:‏ انت لن تلعب معنا؟ قاطعها‏:‏ ليس اليوم‏,‏ من باكر أما اليوم فمسموح باللعب حتي مطلع الفجر‏,‏ لم أكن أريد أكثر من ذلك‏,‏ سرعان ما احتوتنا المروج حتي الغروب‏,‏ هذا آخر عهدي بتفاصيل حياة الأولاد‏,‏ انتصف الليل ودارت الالعاب وانتهت‏,‏ صاحت في لحظة انتصار والنوم يداعب جفون أسماء‏,‏ لا نوم حتي يحين صباح اليوم التالي‏,‏ تمطعت بتثاقل وقالت‏:‏ أنا باص‏,‏ التصريح لـ تامر لا يشملني‏,‏ الآن أود أن أنام‏(‏ بحركة صبيانية‏)‏ سوف نفتقدك كثيرا يا أخي؟ تساءلت شودي‏:‏ بجد‏,‏ اذن ستفوتك حكاية زواج أمك من أبيك فقد أوشك الا يتزوجها وأبي هو الذي‏...,‏ تصبحي علي خير اسمعيها من تامر فيما بعد‏,‏ تنبه كلانا‏,‏ انخرطنا في محايلات حتي بدأت القصة‏.‏
‏***‏
كي تخرج كتابا من رف مكتبته عليك بإخراج آخر‏,‏ ربما وضعته المصادفة علي يمين أو يسار الذي شد أنظارك عنوانه‏,‏ لمع ببريق الافكار وحين انتزعته وتخلخل من مكمنه وكأنه حجر ينفصل عن جبل كان لا يزال الرف والصف متماسكا‏,‏ غلاف أنيق فاخر التجليد‏,‏ عنوان مثير للخيال‏,‏ المؤلف؟ غريبة انه اسم والدي تامر صالح‏,‏ سنوات الألف حكاية‏,‏ طالعت العناوين‏,‏ التواريخ‏,‏ يسرد قصة حياته‏,‏ صوت نداء يتكرر مكتوما في بادئ الأمر ثم مرتفعا وهو يحث الخطي نحو باب المكتبة، ساعدتني خفة الحركة والأركان المظلمة وتعاريج ومنحنيات الجوانب علي التخفي‏,‏ أطلت وكل شيء هاديء تماما‏,‏ كما تركها قبل الرحيل‏,‏ تحافظ عليها نظيفة من الغبار‏,‏ ولولا ذلك لعرفت باقتحامي المكان‏,‏ قررت أنه من المستحيل التخلي عن كنزي فذكرياتي عنه لم تتعد صورته الباسمة في بواكير الطفولة وعددا قليلا من صور الالبوم اتخذ الكتاب موضعه بين حنايا الصدر‏,‏ أحكمت عليه حزام الترننج وتحركت بخفة مغادرا مغارة الأسرار‏,‏ أخفي عنها تحدر الدموع كلما انتهيت من قصة له‏,‏ لحظاته بين الترح والفرح‏,‏ عاش سنواته متفائلا قادرا علي إشاعة الحب فيمن حوله‏,‏ بقيت قصة‏,‏ قصة واحدة وينتهي الكتاب؟‏!‏ أرجأتها حتي يحين الميعاد‏.‏
أحمد محمد جلبي
باحث ـ معهد البحوث والدراسات
الافريقية جامعة القاهرة


*نشرت بالاهرام المسائى فى24/1/2013

الأرشيف

الإحصائيات