إعداد الطالب الباحث بهلول محمد سيد أحمد

.

إعداد الطالب الباحث
بهلول محمد سيد أحمد
جامعة السانية وهران
التفريع الدلالي وآلياته في كتاب الزينة
‌أ. التفريع الدلالي
تنبّه أبو حاتم الرازي في مقدمة كتاب الزينة إلى التطور الدلالي حين حدّد الأسماء التي يريد تفسير معانيها فقال:« ومنها أسامٍ دلّ عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الشريعة ونزل بها القرآن، فصارت أصولاً في الدّين وفروعاً في الشريعة لم تكن تعرف قبل ذلك، وهي مشتقة من ألفاظ العرب »( ).
من ذلك لفظ (العزيز)، ورد الاسم في كتب السنة وفي القرآن بلفظه، وبصيغة المصدر كقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾( ).
وفي اشتقاقه وتحديد معناه آراء منها( ):
 وصف من الفعل عَزَّ الشيء يَعِزُّ: إذا كان نفيس القدر، نادر الوجود، وأطلق على الله لأنّه لا مثل له ولا نظير.
 وصف من الفعل عَزَّ يَعُزُّ: المنيع الذي لا يُغلب.
 وصف من الفعل عَزَّ يَعَزُّ: الشديد القوي.
 أنّه فعيل بمعنى مُفعِل فمعناه المُعِزّ.
 الخطير الذي يقل وجود مثله، وتشتدّ الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه.
هذه المادة وانطلاقا من اشتقاقاتها السابقة، تستعمل في التعبير عن أصل معنوي واحد وهو التفوق والاستعلاء بالنسبة إلى من هو دونه. ومنه:
 العزّة الامتناع من الوجود، يقال عَزَّ إذا امْتَنَعَ فلم يُقدر عليه. ومنه يقال للشيء إذا لم يوجد: قد عَزَّ أي قَلَّ في أيدي الناس وامتنع من الوجود. فقيل: عَزَّ الله وهو العزيز...مُمْتَنِعٌ من أن تدركه الأوهام والصفات( ).
 العزّة الغلبة والقهر، يقال: عزَّ إذا غلبَ وقهرَ...يقال: استُعِزَّ بفلان، إذا مات كأنّه غُلِبَ عليه فذُهِبَ به. قال تعالى: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾( ) أي قوَّينا وجعلناهما متفوّقين عزيزين به( ).وفي قوله: ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾( ) أي تحقق العزة بحصول الغلبة في الاحتجاج والكلام.
 العزّة المنَعَة، ممن يناويه ويكيده والاحتراز منه. يقال: فلان في عِزٍّ أي في منعة، ومنه قيل لوكر العُقاب فراش عزيزة لأنها تأوي إلى كلّ منيع من الجبال( ). قال تعالى: ﴿ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾( ) عظيم منيع يقهر ولا يُقهَر.
 العزّة الحمية، قالوا في قوله تعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾( ) معناه الأنفة والحمية تدخل قلبه حقدا على صاحبه( ).
 العزيز الملك، فقيل للملك عزيز، لأنه قاهِرٌ مَن ناوأه من رعيته، ممتنع من أن يتناوله أحد بظلم، محتجب عن الناس، فهو لا يُشَاهَد إلاّ قليلا( ).
 الله العزيز، لأنه غالب مَن ناوأه، قاهر له، منيع من أن يكيده كائد، ممتنع من أن يدركه أحد بصفة أو وهم، عَزَّ الخَلْقَ كلّه بالقهر والغلبة( ).
من خلال التفريعات الدلالية السابقة للمادة (ع ز ز)، والمفاهيم المنبثقة عنها، نرى أنّ هذه المفاهيم كلّها من آثار الأصل المعنوي الواحد للمادة، حيث إنّه مَن تفوّق: غلبَ وقهرَ واشتدّ وقَوِيَ، ثمّ إنّ العزّة التّامة الكاملة إنّما تتحقق في الله عزّ وجلّ، فهو تعالى متفوّق فوق جميع عالم الوجود وعلى جميع السماوات والأرض وما بينهما.
(الجبّار)، على وزن (فَعَّال) وهو من الفعل (ج ب ر).يقول ابن فارس: الجيم والباء والراء أصلٌ واحد، وهو جِنْسٌ من العظَمة والعُلوّ والاستقامة. فالجَبَّار: الذي طَال وفاتَ اليد، يقال فرسٌ جَبَّارٌ، ونخلة جَبَّارَةٌ. وذو الجَُبُّورة وذو الجُبَُرُوت: الله جلّ ثناؤه.وجَبَرْت العظْم فجَبَر.ويقال للخَشَب الذي يُضَمُّ به العَظْمُ الكسيرُ جِبارة، والجمع جبائِر. وشُبِّه السِّوارُ فقيل له جِبارة.ومما شذَّ عن الباب الجُبَار وهو الهَدَر. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "البِئْرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبار"( ).
هذا الجذر يرجع معناه إلى احتواء الشيء النّامي على قوّة متزايدة في باطنه تُبدل من وَهْيِهِ شدّة وعِظَمًا( ). أو إلى ظهور العظمة والقدرة والتّسلط.
فالجبّار ما ظهر نفوذه وحكمه وعلا أمره، من فرس أونخلة أو إنسان.يقول الرازي( ): فالجبّار هو النخل الذي طال وفات اليد. يقال: نخلة جبّارة إذا طالت فلم يقدر المتناول أن يبلغ أعلاها...و يذكر ناقة جبّاَرٌ بلا هاء إذا عَظُمت وسَمُنت والجمع جَبَابِرُ، وفرس جبَّار إذا كان قويّاً مُشرِفاً (أي منتصب الحلق).
والجبيرة ما يوضع على كسير حتّى يلتئم ويتماسك ويشتدّ. وهذا لا يكون إلاّ من قوة وحيوية باطنية عظيمة.ومنه جبرُ اليتيم أي ما يغلب على ضعفه ويعلو على انكساره ومن جبر العظم قالوا( ): جبّار القلوب، كأنّه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من المعرفة به والإقرار له
ويحتمل الاسم في حقّ الله تعالى عدّة معان أرجحها( ):
 العالي الذي لا يُنال، ومنه يقال: نخلة جبّارة إذا طالت وقَصُرت الأيدي عن أن تنال أعلاها.
 من الجبروت والتكبّر، فالله سبحانه وتعالى فوق كلّ الجبابرة، فلا يجري عليه حكم حاكم، وإنّما الجميع منقادون له.
 المصلِح للأمور، من قولهم: جبر الكسر إذا أصلحه، وجبر الفقير إذا أنعشه.
فسمّى الله نفسه عزّ وجلّ جبّاراً، لأنّه ارتفع عن أن يتناوله أحد أو يدركه أحد بحدّ أو صفة...فهو الجبّار على الحقيقة، الذي فات أيدي المتناولين، وهو الجبّار الذي جبر الخلائق فنعشهم( ).
(الحكيم)، والحكيم يجوز أن يكون (فعيلاً) في معنى (فاعل)، ويجوز أن يكون في معنى (مفعِل) والله حاكمٌ وحكيمٌ( ). ويتّفق الزجّاج مع الرازي في هذا الشّأن حيث يقول:وضعت (فعيلاً) في موضع (مُفعِل)، بكسر العين وفتحها قال: وحكيم في معنى مُحكِم بكسر عين الفعل( ).
وللحكيم وجهان( ):
الأول:أنّه (فَعيل) بمعنى (مُفعِل)، كأليم ومؤلم. ومعنى الإحكام في حقّ الله تعالى في خلق الأشياء.
والثاني:أنّ الحكمة عن معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم.
وعن معنى الحكيم يقول الرازي:إنّما سمّى الله سبحانه وتعالى حكيماً، لأنّه أحكَمَ ما خلق، فلم يَفُتْهُ شيء، ولم يكن فيه خلل، ولم يُعجِزْه شيء من لطيف الخَلْق وجليله، ولم يدَعْ شيئاً مما ينبغي أن يكون مخلوقاً إلاّ خلقه بحكمته، ومنع بعضه أن يُفسِد بعضاً. ويقال في كلام العرب: أحكَمتُ الشيء، أي استوثقت منه ومنعته أن يفسد، وأحكَمتُ البناء، أي بنيته بناء لايتداعى. ويقال: أحكَمتُ الرّجل عن الشيء، إذا منعته عنه، ويقال: حكَمتُ الغلام أحكُمُه، أي منعته عن الفساد( ).
يقول أبو إسحق الزجّاجي: الحكيم الذي أفعاله محكمة مُتقنة، لا تفاوت فيها ولا اضطراب. ومنه قيل: بناء محكم أي قد أتقن وأحكم( ).
وفي قوله تعالى: ﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾( ) الحكمة: القرآن، سمّاه حكمة لأنّه علم، فكأنّه قال: ومن يؤت القرآن فقد أوتي علماً كثيراً( ).
قال أهل اللغة: إنّما سمّي القرآن حكمة لامتناعه عن المعارضة، وممتنع من أن يؤتى بمثله. وكذلك الحكيم من الناس، إنّما سمّي حكيما لأنّه يمتنع من فعل القبائح ويمنع نفسه منها...والحكيم لا يسمّى حكيما حتى يكون عالماً محكم الأفعال ممتنعا من القبائح( )، يجمع العِلمَ والعَملَ، كأنّ علمه منعه من المعاصي، فعمل بطاعة الله، ولأنّ عمله يثبِّت، فإنّه يعلم عمله، فأمسك عِلمه عَمله( ).
وعليه فالأصل المعنوي الواحد لجذر الكلمة (حكيم) ـ كما يراه الباحث ـ إنّما هو ما به يتحقق الأمر والمنع والنهي. ومنه سُمّيت "حَكَمَة اللّجام" لأنّها تمنع الدابة وتردّها إلى مقصد راكبها( ) فكأنّها تأمر الفرس على أن يتّجه وفق ما يريده صاحبه.كذلك حكم الحاكم على المحكوم عليه إنّما هو أن يلزِمه أمراً واجباً عليه، ويمنعه الخروج عنه ومخالفته، والحاكم بين الناس إنّما هو الفاصل بينهم بعلمه والملزم لهم ما لا يمكنهم مخالفته. وكذلك سائر ما يتشعّب من هذا إنما مرده الأصل المعنوي الأول( ).
(الكريم). الكريم الجواد والكريم العزيز والكريم الصفوح، فهذه ثلاثة أوجه وكلّها جائزة في كلام العرب لوصف الله عزّ وجلّ بها( ). يقول الرازي: الكريم الصفوح. وهو الصفوح عن الذنوب. قال تعالى: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾( )، وأيضاً الكريم المرتفع من كلّ شيء. يقال: فلان أكرمُ قومه، أي أرفعُهم منزلة، وأعظمهم قدراً، وكذلك يقال في كلّ شيء ارتفع عن منزلة نظرائه. يقال فرس كريم، إذا كان أشهر الأفراس فراهة، وشجرة كريمة، أي ناعمة حسنة التثمير نضرة...و كلّ شيء وُصِف بالكرم فإنّما يراد به الارتفاع والشرف والفضل. والكريم الذي لا يمُنّ إذا أعطِيَ فيُكدّر العطيّة بالمنّ( ).
فالمعنى الكلّي الجامع في هذه المفاهيم من خلال مادة (ك ر م) واحد، وهو عزّة في ذات الشيء من دون استعلاء بالنسبة إلى الغير. ومنه
 ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾( )، الكرامة في الموضوعات الخارجية.
 ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾( )، الكرامة في الأقوال.
 ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾( )، الكرامة في الإنسان.
أمّا الكرامة في الله تعالى، فهي بلا قيد وبلا نهاية. فالكريم من أسمائه الحسنى، لأنه صفوح عن ذنوبهم، مرتفع عنهم، غالب لهم بالسلطان والمُلْك، لا يمُنّ بالعطاء، فهو الواسع الكريم عزّ وجلّ.
(تعالى جَدُّ ربّنا)، يقول الرازي: الجَدُّ عظمة الله.من قوله:﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا ﴾( ). والجِدُّ بالكسر الاجتهاد والمبالغة. والجَدُّ أبو الأب وأبو الأم. وكذلك الجَدَّة أم الأب وأم الأم. وكلُّ مَن عَلاَ في الأبوّة، وصار معظّماً لسِنّه. والجَدُّ في غير هذا هو البخت. يقال: فلان مجدُودٌ في هذا الأمر، أي مرزوق ذو حظّ منه( ).
جاء في المقاييس: الجيم والدال أصولٌ ثلاثة: الأوَّل العظمة، والثانية الحَظ، والثالث القَطْع.
فالأوّل العظمة، قال الله جلّ ثناؤُه إخباراً عمّن قال:﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا ﴾ ويقال جَدَّ الرجُل في عيني أي عَظُم. قال أنسُ بنُ مالكٍ: "كان الرجلُ إذا قرأ سورةَ البقرة وآلِ عِمرانَ جَدَّ فينا"، أي عَظُم في صُدورِنا. والثاني: الغِنَى والحظُّ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه "لا يَنْفَع ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، يريد لا ينفَعُ ذا الغنى منك غِناه، إنّما ينفعه العملُ بطاعتك. وفلان أجَدُّ من فلانٍ وأحَظُّ منه بمعنىً. والثالث: يقال جَدَدت الشيءَ جَدّاً، وهو مجدودٌ وجَديد، أي مقطوع( ).
و لا يستبعد صاحب المقاييس أن يكون الجِدُّ في الأمر والمبالغة فيه من الأصل الثالث، لأنّه يَصْرمُه ويعزِمُه. يقول: وليس ببعيدٍ أنْ يكون الجدُّ في الأمرِ والمبالغةُ فيه من هذا؛ لأنّه يَصْرِمه صَرِيمةً ويَعْزِمُه عزيمة. ومن هذا قولك: أَجِدَّكَ تفعلُ كذا، أي أجدّاً منك، أصريمةً منك، أعَزِيمةً منك( ).ومن هذا الباب الجِداد والجَداد، وهو صِرَام النَّخل. وجادَّةُ الطَّريق سَواؤُه، كأنّه قد قُطِع عن غيره. وقولهم ثوبٌ جديد، وهو من هذا، كأنَّ ناسِجَه قَطَعه الآن. هذا هو الأصل، ثم سمِّي كلُّ شيءٍ لم تأْتِ عليه الأيَّام جديداً؛ ولذلك يسمَّى اللَّيلُ والنهارُ الجديدَينِ والأجَدّين؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما إذا جاءَ فهو جديد( ).
فالأصل المعنوي الذي يدور حوله جذر الكلمة (ج د د)، إنّما هو ما يُتَحَصّل من الجلال والعظمة والقدرة. ومنه أطلِقَ على أبي الأب والأمّ باعتبارهما سبب مجد وعظمة للرجل، وباعتبارهما مُعَظّمَين ومُمَجّدين عنده. وإلى هذا المعنى يرجع مفهوم الحظّ والغِنى، إذ أنّه نوع من العظمة والمرتبة والمقام القدير.
أمّا معنى القطع، فلم يشر إليه أبو حاتم في تحديد التفريعات الدلالية للمادة، بل اكتفى بالمعنيين الأوّلين ( العظمة والحظ). ومفهوم القطع مردُّه رفع التردّد والشّك والاحتمال ومنه جَدَّ في سيره، وفي أمره.كأنّه رفع الشّك وقطع أمره باليقين.
و معنى الجديد ليس هو مقابل القديم، بل ما كان متجدّداً، مع إضافة عظمة ممتازة بالنسبة إلى سابقه. ومنه
 ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾( ) أي خلقاً ممتازاً عظيماً ومتجدّداً من جهة الخِلقة.
(الوارث)، اسم فاعل من ورث يورث فهو وارث. فالله عزّ وجلّ وارث الخلق أجمعين لأنّه الباقي بعدهم، وهم الفانون( ).
والوارث مشتق من الإرث، وإرث كلّ شيء أصله وبقيّته( ). ويضيف الزجّاجي أنّ أصل يَرث يَورث فسقطت الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ استثقالاً لذلك( ).
أمّا من حيث المعنى فإنّ الوارث هو كلّ باقٍ بعد ذاهب فهو وارث، والإرث أصل الكتابة وبقيّة منها بعد أن امَّحى( )، والميراث أُخِذَ من ذلك. يقال للميراث أيضاً إرث، لأنّه بقيّة من سَلف على خَلف قد بقي بعد موتهم، فسُمّي ما يبقى بعدهم إرثاً وميراثاً. وقيل لمن يحويه وارث( ).
من خلال ما سبق ذكره، فإنّ هذا الجذر (و ر ث) في الأصل يعبر عن بقاء الشيء وانتقاله من شخص إلى آخر، ماديّاً أو معنوياً. ومن ذلك المعنى الأصلي:
 ﴿ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾( )، الإعطاء والتمليك.
 ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾( )، ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾( )، استحقاق شيءٍ ممّا تركه الميّت من مال أو علم.
 ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا ﴾( )، أخذها كالإرث بالإكراه بعد وفاة زوجها.
 أمّا الوراثة في حقّ الله تعالى﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾( )، فلأنّه هو الباقي بعد موت عباده، وذهاب غيره، وهو الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء الملاّك( ).
ب. آلياته
أشار الباحثون في المعجم إلى أنّ هناك خمس وسائل لشرح المعنى وتفسيره في المعاجم العربية هي: - التفسير بالمغايرة – التفسير بالترجمة وفيه ( تفسير الكلمة بالكلمة، الكلمة بأكثر من كلمة، الكلمة بكلمة من لغة أخرى) – التفسير بالمصاحبة – التفسير بالسّياق وفيه ( السياق اللغوي، الاجتماعي، السببي) – التفسير بالصّورة( ).
و القارئ لكتاب الزينة يجد أنّ صاحبه قد اتّخذ سبيلين اثنين من السبل لتفسير المعنى وشرحه.
السبيل الأول: التفسير بالترجمة: خاصة النوع الأول منه وهو تفسير كلمة بكلمة، والنوع الثاني تفسير كلمة بأكثر من كلمة.
يقول أبو حاتم في شرح معنى الإلحاد: « الإلحاد وهو الانحراف عن الشيء والعدول عنه»( ). ويقول في شرح معنى الظلم: « الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه»( ). يقول عن الفسق: « الفاسق الخارج عن الطاعة»( ). ويقول عن الفجور: « الفجور في اللغة هو الميل عن الشيء والعدول عنه»( ).
ومثل هذا النوع من الشرح، نجده ـ غالبا ـ في مفتتح شرحه للّفظ.
السبيل الثاني: التفسير بالسياق، بنوعيه اللّغوي( ) والسياق الاجتماعي. فأبو حاتم لم يشرح اللفظ منعزلا عن السياق، بل كان من خلال سياقات أو نصوص ورد فيها اللّفظ بما يحدّد المعنى. وكانت هذه السياقات:
- نصوصا من القرآن الكريم: يقول في لفظ (القدر): « القدر فيه لغتان؛ تقول العرب: قَدَر الله وقَدْر الله، بفتح الدال وسكونها. وقد جاء باللغتين في القرآن. قال الله عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾( ). وقال: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾( ). وقال: ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾( ). القدر هو التقدير قال الله عزّ وجلّ: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾( ). وهو مِفعَال من القدر والقدر في كلام العرب هو التقدير. يقال قَدَرت الثوب وقَدَّرته، وهو من التقدير، وتفسيره الهندسة...و في القدر معنى آخر، قال الله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾( ). ويقال: قَدَرَ عليه رزقه، أي ضيِّق عليه. قال الله عزّ وجلّ: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾( ). والقادر الغالب على كلّ شيء. قال الله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا ﴾( ). والقدر عن طريق اللغة هو تقدير الله الأشياء كلّها أول مرّة، ثمّ قضاها ففصّلها( )».
- نصوصا من الحديث النّبوي الشريف: يقول الرازي في لفظ (العرش): « ... وفي حديث عن النّبي صلى الله عليه وسلم : الحسن والحسين على جانبي العرش يهتزّ بهما العرش كما تهتزّ الناقة بقُطْرَيْهَا. وفي حديث آخر: جانب العرش على منكب إسرافيل وإنّه لَيَئِطّ أطيط الرَّحل الجديد. وفي حديث آخر: اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. ورويت في العرش أحاديث كثيرة، وتأوّل الناس فيه تأويلات مختلفة، وكلٌّ ينكر تأويل صاحبه »( ).
- ومن هذه السياقات نجد نصوصا من الكتاب المقدّس، غير أنّها معدودة. يقول في باب (الأمر): « وأمرُه كلمته التي كوّن بها الأشياء. وفي الأنجيل في أول الكتاب وفاتحته: في البدء كانت الكلمة. والكلمة كانت عند الله. وبالكلمة خلق الله الأشياء كلّها. هذا ما كان قبل كلّ شيء. هذا هو أول الإنجيل وهو موافق لما في القرآن. غير أنّ الذي في القرآن أشدّ اختصارا. والكلمة التي في الإنجيل هي " كُنْ "، وهي أمر الله عزّ وجلّ »( ).
و في باب (الكرسي): « ومكتوب في الإنجيل: لا تحلف بالسَّماء، فإنّها كرسيّ الله، ولا بالأرض، فإنّها وطاء تحت قدميه، ولا بأورشليم، فإنّها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك، فإنّك لا تقدر على أن تزيد فيه شعرة سوداء ولا بيضاء »( )
- نصوصا من الشعر العربي: والتي عرض من خلالها أبو حاتم للّفظ، وكتابه غنيّ بهذا النوع من النصوص لما له أهمية في معرفة غريب القرآن كما ذكر صاحب الزينة. يقول في باب ( الواحد الأحد): « وفي الواحد عن العرب لغات كثيرة. يقال: واحِدٌ وأحَدٌ ووَحَدٌ ووَحِيدٌ ووُحَادُ وأحَادُ ومَوْحَدُ وأوحَدُ...وقال النابغة في الوَحَد:
كأنّ رَحْلِي وقد زَالَ النَّهارُ بِنَا بذِي الجَلِيلِ على مُستَأنِسٍ وَحَدِ
وقال طرفة في أوحَد
تَمَنَّى رجالٌ أن أمُوتَ وإنْ أمُت فتِلكَ سَبيلٌ لَستُ فِيها بِأوْحَدِ »( )
- نصوصا من الأمثال: يقول في باب (العزيز): « يقال: عزّ إذا غلب وقهر. ويقال في المثل: مَنْ عَزَّ بَزَّ، أي من غَلبَ سَلَبَ( ). وقال في لفظ (الجَدّ): وفي مثل العرب: اسْعَ بِجِدٍّ أو دَعْ. وفي مثل آخر: جَدُّك لا كَدُّك، أي أنّ المرء إذا لم يكن مجدوداً لم ينفعْه السَّعي والكَدُّ( ). ويقول في مادة (الدين): وفي المثل كما تُدينُ تُدَانُ( ) ».
كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية – ج 1– تح حسين بن فيض الله الهمداني- مركز الدراسات والبحوث اليمني، ط1، 1994م، ص 140.
( ) – الآية 08 المنافقون.
( ) – أسماء الله الحسنى، دراسة في البنية والدلالة – د. أحمد عمر مختار، عالم الكتب – القاهرة – ط1 – 1997م، ص 64.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 244.
( ) – الآية 14 يس.
( ) - كتاب الزينة – ج2 – ص 246.
( ) – الآية 23 ص.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 247.
( ) – الآية 228 البقرة.
( ) – الآية 02 ص.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 247.
( ) – المصدر السابق – ص 248.
( ) – المصدر السابق – ص 249.
( ) – مقاييس اللغة ، لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، المجمع العلمي العربي الإسلامي / 1392هـ – 1972م، ج1 – ص501.
( ) – علم الاشتقاق نظريا وتطبيقيا – أ.د.محمد حسن حسن جبل – مكتبة الآداب – ط1 2006م، ص 228.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 250.
( ) – المصدر السابق – ص 252.
( ) – أسماء الله الحسنى (دراسة في البنية والدلالة) – ص 47 – 48.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص253.
( ) – تفسير أسماء الله الحسنى – أبو اسحق إبراهيم بن السّري الزجّاج – تحقيق، أحمد يوسف الدقّاق – دار مأمون للتراث، دمشق، ط4، 1403هـ - ص 52.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 273.
( ) – لوامع البيانات شرح أسماء الله تعالى والصفات – فخر الدين الرازي – قدّم له طه عبد الرؤوف سعد – دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1984 – ص 284.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 273، 274.
( ) – اشتقاق أسماء الله الحسنى – الزجاجي – تحقيق د. عبد الحسين المبارك – مؤسسة الرسالة، بيروت ، ط2، 1986، ص 60.
( ) – الآية 269 البقرة.
( ) – اشتقاق أسماء الله الحسنى – ص 60.
( ) – المرجع السابق – ص 61.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 274.
( ) – المصدر السابق – ص 274. ينظر أيضا اشتقاق أسماء الله الحسنى – الزجّاجي – ص 61.
( ) - اشتقاق أسماء الله الحسنى – الزجّاجي – ص 61.
( ) – اشتقاق أسماء الله الحسنى – الزجّاجي– ص 126.
( ) – الآية 06 الانفطار.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 276، 277.
( ) – الآية 10 لقمان. ينظر الآية 29 النمل، والآية 58 الشعراء.
( ) – الآية 23 الإسراء.
( ) – الآية 13 الحجرات.
( ) – الآية 03 الجن.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 283، 284.
( ) – المقاييس – ج1 – ص 406، 407.
( ) – المصدر السابق – ص 407.
( ) – المصدر السابق – ص 408، 409.
( ) – الآية 19 إبراهيم.
( ) – اشتقاق أسماء الله الحسنى – الزجاجي – ص 173.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 293.
( ) – اشتقاق أسماء الله الحسنى – ص 173.
( ) – تفسير أسماء الله الحسنى – أبو اسحق إبراهيم بن السّري الزجّاج – تحقيق، أحمد يوسف الدقّاق – دار مأمون للتراث، دمشق، ط4، 1403هـ، ص 65.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 294.
( ) – الآية 128 الأعراف.
( ) – الآية 11 النساء.
( ) – الآية 16 النمل.
( ) – الآية 19 النساء.
( ) – الآية 23 الحجر.
( ) – أسماء الله الحسنى (دراسة في البنية والدلالة) – ص 81.
( ) – المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث – د. محمد أبو الفرح – دار النهضة العربية، بيروت – ط1، 1966 – ص 102.
( ) – كتاب الزينة – ص 186.
( ) – المصدر السابق – ص 187.
( ) – المصدر السابق – ص 189.
( ) – المصدر السابق – ص 160.
( ) – وضّح أصحاب المعاجم العربية هذا النوع بما اختاروا من نصوص ذكرت فيها الكلمة ( نصوص القرآن الكريم، الحديث الشريف، الشعر، الاستشهاد بما سُمع أو نقل ما سَمع غيره)، ينظر المعاجم العربية – د. أبو فرج – ص 116، 117.
( ) – الآية 49 القمر.
( ) – الآية 01 القدر.
( ) – الآية 03 الطلاق.
( ) – الآية 08 الرعد.
( ) – الآية 91 الأنعام، الآية 74 الحج، الآية 67 الزمر.
( ) – الآية 16 الفجر.
( ) – الآية 65 الأنعام.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 315، 316.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 334،335. الأحاديث بأكملها ولفظها في الهامش رقم: 1، 2، 3 من نفس الصفحة.
( ) – كتاب الزينة– ج2 – 307.
( ) – المصدر السابق – ج2 - ص 331. الآيات من إنجيل (مَتَى)، الإصحاح الخامس/22، 27. ينظر الهامش رقم 1 من نفس الصفحة.
( ) – كتاب الزينة – ج2 – ص 203، 205.
( ) – المصدر السابق – ج2 – ص 245.
( ) – كتاب الزينة– ج2 – ص 284.
( ) – المصدر السابق – ج2

الأرشيف

الإحصائيات