القابلية الفردية والقابلية الجماعية بقلم المختار لعروسي البوعبدلي الجزائري

.

"مفهوم القابلية للتمكين " النهضة " : قابلية فردية وقابلية جماعية.
بقلم : المختار لعروسي بن محمد البوعبدلي الجزائري.
إذا اتخذنا من القراءة التاريخية مصدرا لقراءتنا . بانين ذلك على ما كان من انتماءنا التاريخي والجغرافي من تناول النصوص بتجريد أنفسنا من النزعات التعصبية. ومحاولة فهم المعطيات والإستشهادات على ما هي من غير إرغام وإقحام للمفاهيم الحديثة النشأة، ليس من باب إلغائها ولكن من باب موافقتها أو عدمه لفهمنا بما هو لنا من لسان وتميز تاريخي وجغرافي.
ثم أن اعتمادنا التدليل من ثقافتنا الإسلامية، راجع إلى المميز بها ومنها، من بيان المجموع الكلي للعلاقات النفس، الآخر، الله، مع عدم المس بمحتوى الأديان لحقيقة ثقافتنا العربية الإسلامية التي انضوى تحتها الفتح الجغرافي بعيدا عن الديني من أنه تُرك الأمر لأهله ومن هذا حتى لا نطيل الكلام فإنه برجوعنا إلى قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة : 134 ) قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ141 سورة البقرة. مع أن لا نبتر الآيات من سياقها العام في السورة. وعلى هذا فلو أننا أخذنا الآيتين من خلال الكلمات المفتاحية لهما والتي نتمثلها في: - أمة – خلت – كسب – تسئلون . ومن خلال فهمنا لهذه المفاتيح والتي نرى فيها هذا القول:
الأمة: فاختلاف التعاريف لها وما تقتضيه يجعل التعامل مع الكلمة مفهوما متعدد الوصف. وإذا أخذناها من كلام العرب واشتقاقاتها نخلص إلى أنها تتناول المجموع الكلي للعلاقات الحياتية الاجتماعية أو السياسية أو غيرهما وخاصة للدين تصنيفا أو ممارسة من باب العقيدة والشريعة الغالبة منظمة وضابطة لحركة المجتمعات في تفاعلاتهم وتعاملاتهم من خلال العلاقة الرباعية مع النفس مع الآخر مع الله ومع الأشياء. مسجلة تاريخا تجريبيا بتوافقاته وتناقضاته المميزة المتصفة بطبيعة الزمن الثقافي السائد.
"الأمة كل جماعة يجمعها أمر إما دين أو زمن أو مكان واحد سواء كان الأمر الجامع تسخيرا أم اختيارا وقوله تعالى إلا أمم أمثالكم أي كل نوع منها على طريقة مسخرة بالطبع فهي بين ناسجة كعنكبوت ومدخرة كنمل ومعتمدة على قوت الوقت كعصفور وحمام إلى غير ذلك من الطبائع"
ولفظ الأمة متعلق كذلك بحركة التاريخ بداية ونهاية وما بعد النهاية، مع القول أن طبيعة حركة التاريخ قد أخذت مسارين، مسار قبل الإسلام و مسار بعده، فقبله تقام الحضارة على أنقاض التي قبلها بعد هدمها أو تهدمها، من متعلق التراكم والتدرج إذا قلنا بأن المحرك في البناء الحضاري معتمده الثقافة السائدة بمعنى الأصل في البناء الحضاري الثقافة، والتي قد يأخذها البعض على أنها هي الحضارة أو أوسع مفهوما. والخلاصة من القول أنها أخذت صور التغير في طبيعة التشريعات والأحكام وفي كيفية التفاعل والتعامل مع مجموع القيم حتى فيما تعلق بالتوحيد. وما كان من رسالات الأنبياء إلى أقوام مخصوصة نقلا من خبر خطاب الشارع الحكيم.قال مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (الإسراء : 15 ) . فقوله:" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " ومن خلال ما ورد من قصص الأنبياء نرى وجود لعمليتي الهدم والبناء لمجموع التشريع وفق افعل ولا تفعل من إعادة صياغة قوانينها فيما يتوافق وحركة المجتمع في نسقها الحضاري حسب الزمن الثقافي. وكله بأمر الله تعالى مع الأخذ بعمليتي التراكم والتدرج في جانبها المتعلق بالعلم المادي (الدنيوي).
قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ( 58 )
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ 59 (القصص)
ومن اختلاف الأنبياء والرسل حسب أقوامهم أدى إلى نفس العمليتين الهدم والبناء فيما كان من ترسبات متغيرة مُغَيرة من خلال التبادل البيني بين القبائل والشعوب. وهذا كان له التأثير البائن على (عمليتي الهدم والبناء) في مجمله وبصوره الشاملة. مع العلم والأخذ بمبدأ التوحيد كعامل مشترك بين الرسالات والنبوات. في حين أن الصراع قائم على علاقة التوحيد عقيدة بالشريعة. ومن هذا نستطيع القول على أن حركة التاريخ أخذت ذلك الطابع من هدم وبناء وهذا كان قبل الإسلام .
قالتعالى :" يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) التوبة
وقال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8 )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) الصف
في حين أن حركة التاريخ أخذت مسارا مغايرا بعد الإسلام ـ الدين المنزل ـ أخذت طبيعة الديمومة والاستمرار وفق التمكين والوهن. مع العلم أن الاستخلاف تام للإنسان وواقع على الأرض. بمعنى أن إيماننا المطلق يكمن في ختم الله للتنزيل من خلال خطاب الشارع الحكيم أن لا تغيُّر ولا تغيير فيه في كلياته وجزئياته فيما كان من العقيدة والشريعة. بمعنى أن حركة التاريخ أخذت عامل التمكين والوهن لتعلقها تعلقا جوهريا متلازما بالدين الإسلامي. والدين الإسلامي باق إلى أن يشاء الله. فهو ثابت غير متحول وثباته يعطي قيام حركة التاريخ على الصراع الحاصل بين ما هو من عند الله - الدين - وما هو من عند البشر القوانين - الوضعية - مع العلم أن التراكم والتدرج المادي حاصل لا يتوقف. قال تعالى: " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (الإسراء : 85 ). ليكون من هذا حصول التكامل الوظيفي بين الروح والمادة.وما الصراع بين الحضارات إلا ما بين ما هو ثابت المتمثل في الإسلام وما هو متغير المتمثل في غيره - الوضعي - مع الأخذ يقينا أن الدين صانع للحضارة. وفي الآية إشارة إلى ما كان من التراكم والتدرج فيما تعلق بالعلم المادي (الدنيوي) من قوله تعالى:.... وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً...
فحركة التاريخ الآن هي نتاج الصراع الحاصل بين المتناقضات فيما تعلق بالعقيدة والشريعة مقابل النتاج الوضعي. من خلال طبيعة الفهم في تفاعله وتعامله مع المجموع القيمي. فالخلاف فيما تعلق بالقضايا افعل ولا تفعل الأمر والنهي بناء على القاعدة القائلة - الجزاء من جنس العمل – مهما كانت طبيعة العمل.
ومن هنا فحركة التاريخ أساسا تقوم على الصراع بين المجموع العام والتفصيلي بين المتناقضات على كل المستويات والأصعدة والمجالات وفق ما كان من نمطية التفكير والإدراك والفهم أو الإتباع الذي يشكل في حقيقة الأمر المرجعية والخلفية للأداء العام والخاص.
ومن هذا الصراع بين المتناقضات الحاصل منه صيرورة الأمر إلى صراع قطبي مرجعيتين، وفق ما كان من التمكين والوهن بفعل انتشار وسائل الاتصال والإعلام الواسع، الذي صار منه العالم متداخل الحدود الدينية والثقافية باحتكاكها وتأثرها وتأثيرها وفقدان الخصوصية المميزة لوحداته الحدودية الجغرافية الوهمية، ومحاولة جعله كيانا موحدا كهدف بفعل ظاهرة العولمة لتشابك المصالح وتشاركها فيما كان من الحاجة ومن طبيعة النمو الديمغرافي المستمر والشراكة البنائية الحضارية المادية بفعل التتام العلمي والمعرفي من منطلق التراكم والتدرج. قال تعالى: " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " (البقرة : 31 ). فتعلم آدم  أصول الأشياء أعطى لنا القدرة والإمكانية في البحث واكتشاف الاشتقاقات ونقصد بالاشتقاقات " التطور العلمي" أدى إلى انحصار الصراع في شقه الديني فيما تعلق بالعقيدة والشريعة. ومنه صارت حركة التاريخ متعلقة تعلقا أحاديا بالدين على أساس الصراع بين هذه الثنائية المرجعية التي تمثل طبيعة خَلقية فيما كان من الزوجية الخلقية فالحق معلوم بوجود الباطل. قال تعالى : " وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً " (الإسراء : 81 )
وقال تعالى :" فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ "(البقرة : 251 )
وقال تعالى: " الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج : 40 )
فحركة التاريخ تقوم على الصراع الديني بعيدا عن التطور العلمي الدنيوي الذي يمثل العامل المشترك بين البشر بغض النظر عن أن العلم الدنيوي قد يأخذ شكل القوة الضاغطة ماديا ومعنويا في يد من يتحكم بقوانينه رغم إمكانية انتقاله من يد إلى أخرى وفق قوانين التمكين والوهن.
واللفظ خلت متعلق بخبر الماضي النسبي دقته إلا من خلال المعطيات العامة نتيجة إلى عدم توفر المعلومات بصورة (الكمال) أخذا بصورة التقريب منه.
والكسب دلالة على العمل من خلال طبيعة الفكر والنظام والممارسة ومتعلقاتها المادية في إطار العقيدة والشريعة بأخذ حقيقة الظروف الموضوعية والتاريخية حسب الوقت الطبيعي وما كان من السائد من " الزمن الثقافي " .
والسؤال متعلق بحقيقة الجزاء لما كان من الكسب.
ولو نرجع إلى الآيتين فإنما سياقها وكأن فيه إشارة إلى أن الأمر يؤخذ على حاله وفق قراءة زمانية ومكانية في الإطار المحدد بطبيعة الصراع مع الأخذ بحقيقة التغيرات الحاصلة فيما كان من التبادلات البينية بكلياتها وجزئياتها - سياسة واقتصادا وثقافة – المبنية أساسا على عمليتي الإعلام والاتصال " البلاغ والبيان " المتعلق بطبيعة الفكر والنظام والممارسة. من غير إحداث لوجه المقارنة بعودة الحدث ظهورا لاختلاف الظروف الموضوعية والتاريخية. إلا استثناءً ناقصا. وعلى هذا نطرح السؤال التالي قبل الخوض في ما تعلق بالقابلية الفردية والقابلية الجماعية. وذلك بتحديد المفاهيم أولا ليكون السؤال كالتالي: ماهي النهضة.؟ ولو أننا رجعنا للغة العرب فإننا نجد اللفظ النهضة باعتماد اشتقاقاته يأخذ دلالة المفهوم كما يلي:
"(نهض) النُّهوضُ البَراحُ من الموضع والقيامُ عنه نهَضَ يَنْهَضُ نَهْضاً ونُهوضاً وانْتَهَضَ أَي قامَ...وأَنْهَضَه حَرَّكه للنُّهوض...وناهَضْتُه أَي قاوَمْتُه ...ونَهض النَّبْتُ إِذا استوى..وأَنْهَضَت الرِّيحُ السَّحابَ ساقَتْه وحملَتْه...والنَّهْضةُ الطَّاقةُ والقوَّةُ..ونهَض الطائرُ بسَط جناحيه..ومكانٌ ناهِضٌ مرتفِعٌ والنَّهْضةُ بسكون الهاء العَتَبةُ من الأَرض...النَّهْضُ العَتَبُ...والنهاض السرْعةُ والنَّهْضُ الضَّيْمُ والقَسْرُ وقيل هو الظُّلْم..."
ومن هذا فتعريف النهضة هو:
النهضة أخذت معنى الحركة والانتقال من موضع إلى آخر ولو بمقاومة وبما لديه من طاقة وقوة لنيل حاجة أو الوصول لغاية في النفس. وقد يصاحبها ظلم وقسر وإكراه للغير. وعليه فهي تأخذ المكانية والموضِعية حاجة أو رغبة من غير أن تصاحبها عملية التمكين.
فإذا سلمنا بلغة العرب فما المفهوم الصالح الذي يتوافق مع طبيعة الصراع القائم بين المتناقضات " العقدية والشرعية " و التلازم الواقع بينها وبين العلم المادي " الدنيوي" وبالرجوع إلى النص القرآني نجد انه قال بمفهوم دقيق يعطي ويبين حقيقة وصف الحالة المطروحة . فانظر معي بالرجوع دوما إلى لغة العرب للفظ التمكين فنجده أخذ المعنى:
"..........وقال شمر الصحيح في قوله على مَكِناتِها أَنها جمع المَكِنَة والمَكِنةُ التمكن تقول العرب إن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان أي تَمكُّنٍ ...ويقال الناس على مَكِناتِهم أَي على استقامتهم قال ابن بري عند قول الجوهري في شرح هذا الحديث ويجوز أَن يراد به على أَمْكِنتها أَي على مواضعها التي جعلها الله تعالى لها قال لا يصح أَن يقال في المَكِنة إنه المكان إلا على التَّوَسُّعِ لأَن المَكِنة إنما هي بمعنى التَّمكُّنِ...والمَكانةُ التُّؤدَةُ وقد تَمَكَّنَ ومَرَّ على مَكِينته أَي على تُؤدَتِه...وفي التنزيل العزيز اعْمَلُوا على مَكانَتِكم أَي على حيالِكم وناحيتكم وقيل معناه أَي على ما أَنتم عليه مستمكنون الفراء لي في قلبه مَكانَةٌ ومَوْقِعة ومَحِلَّةٌ أَبو زيد فلان مَكين عند فلان بَيِّنُ المَكانَةِ يعني المنزلة...والمَكانةُ المَنْزلة عند الملك...وتَمَكَّنَ من الشيءِ واسْتَمْكَنَ ظَفِر."
من هذا نأخذ التمكين بالتعريف التالي:
هو التحكم في الأمور من بسط السلطان والنفوذ بالعلم والحكمة والتؤدة حتى الظفر وفق ما هو موجود ومتاح وممكن حسب ما كان من القدرة والاستطاعة والطاقة والقوة. طلبا للعلو والرفعة والسمو من غير ظلم ولا إرغام ولا قهر.
وأما ثانيا: فمما ذكرناه نرجع إلى أمر مهم المتعلق بالبديهة القائلة : الدول لا تبني المجتمعات، بل المجتمعات تبني الدول. وهذه البديهة المذكورة صالحة لما قبل ما هو معاصر بواقعنا الحالي. فاليوم المجتمعات قائمة كما هو حال الدول قائم إنما التغير حاصل في قضايا السيادة والإتباع. ونأخذ المثال من واقع دويلات العالم العربي لأهميته بالنسبة لنا والمثال الأقرب لنا العراق فإننا لا نلغي قيام الدولة رغم فوضى العلاقات وتصادم المتناقضات ورغم وجود الاحتلال بصورتيه المباشرة وغير المباشرة. وكذا ليبيا وسورية وكل الدويلات العربية. فالمصالح الاستعمارية بفعل الهيمنة المتعددة الأوجه " بشقيها الديني والدنيوي " مباشرة وغير مباشرة أعطت إلزامية بقاء التلازم بين بقاء بناء الدولة مع المجتمع. فكل منهما متعلق بالآخر فبقاء الدولة متعلق بالمجتمع والمجتمع متعلق ببقاء الدولة. والظاهرة الحديثة في التاريخ من تأسيس هيئة الأمم، وظهور مجلس الأمن والمنظمات الدولية من خلال
مراعاة طبيعة عملها وما رسمته من قوانين ملزمة وغير ملزمة و............
فاليوم صرنا إلى ذلك التلازم الشبه حتمي إن لم نقل الحتمي بين الدولة والمجتمع ، والمجتمع والدولة. فيما تعلق بعملية البناء. كما أن طبيعة الحروب الاستعمارية اليوم أخذت ذلك النمط من الضربات الإستباقية والحروب المؤقتة وغير هذا مما شابهه.مما جعل الأنظمة تتبدل والدول تبقى.
ثم إن قول قول المفكر الجزائري مالك بن نبي: " وإذن فلا يجوز لنا أن نغفل الحقائق، فالحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه". وهذا قول من المفكر الجزائري يتضمن تلازمية الدولة كمجموع مؤسسات مع المجتمعات كعنصر مؤسس.
ومن هذا نرجع إلى ما كان من القابلية على المستويين الفردي والجماعي. فالقابلية الفردية أو الجماعية فيما تعلق بالتمكين لا نستطيع ن نبترها من لازمتها المتمثلة في القيادة فلو نرجع إلى قوله تعالى : " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " (آل عمران : 104 )
فوظيفة الدعوة والأمر والنهي، وظائف تبنى أساسا على القابلية والقيادة معا. وعلى هذا الأساس تكون قابلية الفرد قيادية وقابلية الجماعة تابعة للطبيعة القيادية. وهذا ليس من باب الكاريزما، وإنما من باب تأثير النخبة على الجماعة.قال تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ( 17 ) سورة البقرة فاللفظ استوقد وحوله مفرد ونورهم جمع وهذا ما فيه إشارة إلى حقيقة تأثير الفرد على الجماعة ومدى تأثير الكلمة ذات طبيعة انتاج فردي ومدى استمرارها في الإنتشار.
وبالنظر إلى مميزات كل من ديمقراطية النخبة المتميزة بمحاولة التوفيق في ما تعلق بالطرح والأداء والقضاء، مقارنة مع ديمقراطية المجتمع المتميزة في حالات منها بفوضى الرأي. نجد أن القابلية تبنى على ما تتبناه النخب. ومنه تبعية الجماعة للنخبة هي التعبير العملي للقابلية الجماعية. فلا فرد بلا جماعة ولا جماعة بدون أفراد. والعلاقة بينهما القيادة.
" - فالقابلية الفردية مُتَعلقُها الكفاءة والقدرة والاستطاعة بتوفر شروط و أدوات القيادة كل وفق مقتضى الدور. - والقابلية الجماعية هي تلك الاستجابة المبنية على ما كان من العلم بالحقوق انطلاقا من أداء الواجبات."
وفي الأخير أتذكر القول السديد: رأيك صواب يحتمل الخطأ ورأيي خطأ يحتمل الصواب. انتهى.



بقلم : المختار لعروسي البوعبدلي الجزائري

الأرشيف

الإحصائيات