لله درك يا سامر بقلم م. هناء عبيد

.

م. هناء عبيد


كانت المرة الوحيدة التي رأيت فيها سامر وهو لا يزال طفلا صغيرا في آخر زيارة لي إلى القدس ، حيث مكثت بضعة أيام في بيت عمتي أم رأفت والدته ، لا أذكره جيدا لكني أذكر بسماته الجميلة التي لم تكن تنقطع عن وجهه الجميل، أذكره ملامح طفل جميل بعيون بريئة تبعث على الامل ، لكن للأسف لم أره بعد ذلك حيث الغربة التي أقصتني بعيدا عن القدس وعائلته التي أحمل لها الكثير من الحب. فقد كان لي الحظ الوفير في طفولتي بأن أنعم بحنان عمتي والدة سامر وشقيقة والدي رحمه الله حيث أقمت معها مدة من الزمن حينما كنا نزور القدس. لعمتي مكانتها الخاصة في قلبي دونا عن بقية العائلة إذ كنت أرى دوما في وجهها كل ملامح وقسمات أبي . كما أن لعمتي ميزات لم أجدها في غيرها فهي تحمل قلبا مفعما بالدفء والحب، ولها روح جميلة طيبة مرحة تمتلئ بالحياة، تدخل إلى الأفئدة دون استئذان.

كانت دوما تستقبلنا بدموع الفرح حينما كنا نزور القدس وتودعنا بدموع الحزن والألم عند فراقنا. ولن أبالغ إن قلت أنني لم أقابل في حياتي من حمل قلبا ذهبيا كقلبها . هي نموذج غريب لإحساس نادر ومشاعر فياضة قلما وجدتها في أحد . لهذا ليس من الغريب أن تنجب أبطالا وفرسانا كأبنائها . فابنها فادي الذي استشهد وهو في ربيع عمره في مجزرة الحرم الابراهيمي عام 1994، وابنها الأسير مدحت الذي قضى 19 عاما في سجون الكيان الصهيوني وما زال تحت الأسر. وابنها شادي الذي كان اسيرا وفك قيده ليعود اسيرا مرة اخرى في سجون الاحتلال، وابنتها محامية الأسرى شيرين التي اعتقلتها قوات الإحتلال لمدة عام كامل، وهاهو بطلها الفارس الصامد الأسير سامر الذي فك قيده في صفقة تبادل الأسرى مع السجين شاليط لتعاود قوات الاحتلال اعتقاله بعد أن التم شمله مع والدته وعائلته بعد سجن دام عشرة أعوام.

لا نستغرب هذا الصمود وهذا الصبر وهذه العزيمة والتحدي فقد ورث سامر كباقي أفراد عائلته جينات من والدته التي ربت أبناءها على حب الأرض، ووالده الذي كان لأسرته أيضا باعا طويلا في تاريخ النضال الفلسطيني. إنها جينات المشاعر والإحساس والعاطفة المتدفقة التي ترجمها بعشقه للأرض وحنانه لأبناء الوطن . فمعركة الأمعاء الخاوية التي خاضها بطلنا لم تكن معركة من أجل مكاسب فردية، فمن تربى في بيت يعرف الإيثار والبطولة والتضحية والفداء والكرامة لا يمكن أن يكون هدفه شخصيا فحسب. لقد خاض سامر معركة يعرف عاقبتها جيدا فهو يدرك تماما أن نهاية معركة كهذه إن لم تنته بالنصر فإن نهاية حياته حتميه. لقد ضحى بأغلى ما يمتلكه الإنسان وهو الحق في الحياة في سبيل العزة والكرامة والحرية والى أن يحقق العدل وأن يتم الإفراج عن الأسرى الذين جزوا إلى سجن الظلم دون حق.

كم تقف مفردات القاموس عاجزة عن وصف صمودك أيها البطل ، فكلما نظرت إليك يا سامر أشعر بقشعريرة غريبة تسري في بدني، قد تكون قشعريرة بسبب انبهاري بذلك الصمود العنيد الذي سيخطه التاريخ بماء من ذهب.

فبرغم ألمنا الشديد لما وصلت إليه حالتك الصحية إلا أننا لا ننكر فخرنا واعتزازنا بموقفك البطولي في دفاعك عن كرامة شعب ووطن بأسره ،فلله درك أيها البطل الذي كلما نظرت إلى عينيك اللتين تشعان أملا في صورك التي يحتفظ بها كل بيت، كلما وجدت فيهما سر يجعلني أدرك أن الله معك وفي رعايتك وأنه لن يخذلك في الدنيا ولا الآخرة. ستظل سامر الجبل الذي سنصعد بعزيمته وصموده نحو العزة التي أسقط رايتها المتخاذلون

لقد ابهرت العالم أيها البطل وجعلتنا نخجل من سكوتنا، وندرك كم هي صغيرة آلامنا حينما نراك تستهين بأغلى ما يعتز به الإنسان وهي حياتك وروحك ، لقد آثرت الموت على العيش بذل وهوان، كم أنت كبير في أعيننا. لقد جعلتنا ندرك أن الكرامة لن تموت وأنها ما تزال محمية بصخور تتصدى لأقوى التيارات ، علمتنا أن القيد يحن على يدي من آثر العزة والكرامة، علمتنا أن الدنيا لا تزال تجود بالأخيار، وأن هناك أناس يقدرون الكرامة والحرية. لهذا لم يتهاون أي قادر بإعلاء صوته، وتقديم كل ما في مقدوره مطالبا بالحرية لك.

، ستعود إلينا يا سامر بإذن الله وفي يدك غصن الزيتون لتقدمه هدية إلى أم فلسطين، أمنا جميعا.

فكل التحايا وانحناءات التقدير نقدمها لك يا بطل الصمود.

وإلى اللقاء بإذن الله ايها الفارس العنيد.

الأرشيف

الإحصائيات