حـــتى انت تموت ــ قصة قصيرة بقلم احمد محمد جلبى

.

فبراير 2013
14


حتي أنت تموت
المصدر: الأهرام المسائى

اقتربت بحذر، كانت أعمدة من المياه ترتفع داخل الاسطوانة الزجاجية، يتجمع ضباب رمادي تم يأخذ طريقه في لي شفاف لم يعنها الجالس في استرخاء تام، يعالج بفمه قطعة البلاستيك ويفتح شفتيه وكأنه يتحدث والكلمات دخان، عطلت مؤقتاً الرائحة الذكية حواس الشم والاستشعار عن بعد، ما اثارها فعلا حركة المياه الصاعدة التي لا تنتهي، إلي لاشيء، البلورة الصافية تصنع اشكالاً خرافية، تدركها بعين ألفت الأشخاص وقطع الطعام والمواد الحرة الحركة في الهواء، جاء من خلف الضباب من كمون وإظلام خفيف الي الدائرة التي صنعتها حول مكان اللهب وأعمدة الدخان ورائحته التي تنتشر كالبخور، اضاف عدة جمرات متقدة، تنبهت ان حامل الجمرات ليس في يد "طه" يتحرك وحده مختفياً وراء الضباب، من يمسك مقبضه لحظات وتشكلت في الاجواء اوجه جديدة، مباشرة امام اعين الجميع، لحظات ونفث الشيشة بقوة مصحوبة بزفير من الاعماق، راحت تتابع اشكالا جديدة تتكون وتتكور، تتحاور بعصبية، يغطي عليها صوت التلفاز وهو ينقل عبر بث مباشر من مناطق بعيدة، يتشكلون الأن أمامها، امامهم جميعاً جواد تتقاذفه الرياح بعد ان مزقت الفارس الي قطع، مازال الجسد متعلقا بذيل الحصان، يرفض ان يزوي، الرفض تحد يكسب من يفعله شموخ القوة، تيار الهواء البارد يعيد تشكيل الأوضاع كانت تشعر بالجوع، لا شيء سوف يشغلها عن القوت الضروري للحياة والاستمرار، همت بالابتعاد عن كل هذا، تحركت فعلاً في اتجاه المنطقة الرمادية حيث تختفي كل الكائنات الجزافية التي تصدر من تلك المعوجة الزجاجية الشفافة والتي برغم شفافيتها تخرج كل تلك الصور، سرعان ما تقهقرت الي الوراء فقد كان "رمضان ضنا" قد جاء يحمل صينية تفوح منها مناقيش وفطائر "ابوالدهب" ويضعها مباشرة امام النرجيلة علي طاولة في متناول يده اليسري حيث اليمني تمسك بالخرطوم، لم يشأ ان يتناول الطعام وقد امسكت به شرائط الدخان، تعجبت ان فمه يخرج النيران طوفانا فلم لا يأكل الآن؟، وكأنه فهم انتظارها، نظراتها، جلوسها في مقابل ( نار الولعة واللهب وفطير جدو ابوالدهب)القي قطعة لا بأس بها، غيرت رأيها في الرحيل خلف لقمة العيش، في عجالة التهمت ما القي، وكأنه احس بلهفتها علي الفتات بادر بأخرى وثالثه، جذبت الرائحة فطيطه صغيرة من العائلة المشمشية، سمحت لها امها بأن تنزل إلي الكافية لتجرب الاعتماد علي الذات، طردتها من المكان بخربشة في الوجه، احتفظت بمسافة تقيها الغضب دارت محدثة صوتا خفيضا حول نار الشيشة، سرعان ما استجاب وألقمها قطعة بعد قطعة، كانت الخيالات قد تحولت الي صفوف متراصة من المتقاتلين، اشتعلت علي اثره بعض الحرائق المحدودة، طرقعة نار الفحم وشرارات وقنابل دخان وهراوات وأصوات شتائم ومناورات، عدت اكثر من عشرة يسقطون، دماء نازفة في الطرقات، اخلاء سريع بلا اثر وكأن هناك قطة خفية تغيبهم في بطنها كما تفعل مع اللقيمات، كادت تشبع، يمكن ان تنصرف في أي وقت، مع قدوم ارجل نحوها تعرفها جيدا، ارجل الحاج محمد مدير الكافيه، استقر الي كرسي مجاور، كانت قطع الطعام قد توقفت منذ لحظات، سمعت صوت الحاج محمد يستفسر: انت ايه رأيك يا حاج جمال في اللي بيجري؟ صوت قلق، مضطرب. جمال. جمال! يسرع ضنا الي المكان تسرع عدة ارجل الي المكان، صوت يسأل: انت حطيت ايه في الأكل، هاتولى حالاً ابوالدهب. دا مات، والمصحف ما فيه حاجة في الأكل، صوت ضنا يعلو: هو ما اكلش حاجة كان بيرميها للقطة وهي عايشه اهي، صوت طه: انا غيرت الولعة وكان عادي؟ لا قوة إلا بالله، ابتعدت الأرجل في سرعة واضطراب ظاهر وقف عدد من العمال علي مسافة يحرسون الجثمان الجالس علي الكرسي، كان يحب جلسته تلك المنعزلة امام التلفاز متابعاً نشرات الأخبار مقلباً القنوات والصحف اليومية، كان يحب كل الناس، العمال حتى قطط الموائد.؟
خاطرت بالاقتراب من مائدته، هل حقا مات، كان لا يزال ممسكاً باللي بين يديه وطرفه في فمه، جلسة عادية تماماً، اليد الأخرى سقطت بعيداً عن الأطباق قفزت الي الطاولة، تأملته ومدت أنفها اليه بحذر تراجعت قليلاً، كان الطعام قد برد تماما، سوف يلقونه في المهملات، تراجعت عن فكرة الرحيل، في النهاية كان يريد ان اتم وجبتي، تركت الأطباق وقد مسحتها تماماً.

أحمد محمد جلبي
باحث - معهد البحوث والدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة
الاهرام المسائى 14/2/2013

الأرشيف

الإحصائيات