قصص قصيرة جدا بقلم عمر حمَّش

.
قصص قصيرة جدا


عمر حَمَّش


وصيِّة


أخذته؛ لتضربَ في سجادِ ربيع؛ فظللتهما أسرابُ نوارسَ؛ رآها الصغيرُ تحت قرصِ الشمسِ غيمةً تعدو، وجواره أمّه رفعت جذعها؛ كان في عينيها خبرٌ يرتجُّ؛ يدُها النحيلةُ أخذت أمامها تطوف، ومع تنهيدةِ نارٍ سمعها تقول:

هناك!-

لم يفهم؛ لكنها أشعلته:

تحت تلك الجُمَيزةِ يرقدُ أبوك -

لحظتها مسّه جان، ولقد اهتزّ؛ حتى جاءهِ جناحٍ؛ أصعده؛ وتحت جذعِ الشجرةِ أسقطه كملتاع، فطفق تحت الجذع يبوس التربةَ، ويدقّق فيها كمسحور!

أكملت:
وحدي دفنتُه يوم قتلته اليهود-
وزادته في حشرجة:
كلّ هذه أرضك يا ولدي-

سقطت؛ وعيناها ترنوان، فأمطرتِ الشمسِ لعيني الصغيرِ لهيبا، وأمطرت دما،

وظلت تمطرُ؛ والصغيرُ في المكانِ يعصفُ مثل موجةَ ريحٍ!



شَراكة



وإذ جاورتُه في باطنٍِ ضاق بالعباد؛ لم يسره مظهري، ولوَّح من محجريهِ بغيظٍ غريب!
أزحتُ وجهي؛ فهبّ قزما بحاجبينِ؛ يُرقصُ قبضةً بحجم بيضة تحجرت!
فغمغمتُ: فلأنم!
فاهتزَّ؛ يصيح!
أنا إسحاق شامير يا محترم، وأنت في مقابر؛ أنا فيها الحَكَم!


اترك أبي






وقبيل الفطامِ أخذتهُ إلى نافذة الليلِ؛ تعلِّمه أولَ ما في الدنيا من أسماءِ.
قالت: أسود!
لحظتها حطَمُوا باب سقيفتهم؛ فهبَّ من اللفة؛ وبحنجرةٍ عالمةٍ صاح:
اترك أبي يا سافل!




فروسيّة


لأبي الفوارسِ قبورُ القبيلةِ كلّها، لهُ الثريد، ولها الوعيد، وسيوفُهُ في أهلِها أذرعٌ دوما تصيح!
لكنّ شيئا واحدا ليس له؛ فهو في كل ليلٍ على طرفِ السريرِ ينثني؛ ومن نظراتها مثلُ طيرٍ قد وقع؛ يرتعش
أبو الفوارس!.........



نورس



على سلكِ الحدود رصدتُهُ؛ فلوَّحتُ أستجير، غابَ في الشمس؛ ثمَّ عاد كحريق، رفَّ فوقي مثلُ نجمةٍ؛ فرفعتُ كفيَّ ألقاه؛ أسقطَ عودَ زيتون؛ عرفتُ أمَّهُ؛ ووقعتُ أبكي من شذاه!





ديوك


في حظيرتنا تناوش الديكان؛ ثم تطاحنا؛ فشرّف ديكُ الجيران الدجاجات؛ صال فيهما؛ وجال متعاليا منفوشا؛ وهما على جنبيهما متباعدان؛ يتراميان بالنظراتِ!









انهيار


حلّل الأخبارَ لهم بمقلتيه، ورقِّصَ حلمهم بإصبعيهِ، لكنهم فجأةً ؛من نوافذِ الأكواخِ رأوه يجري، يعضُّ خرقةً سوداء، ولعابُه يسيلُ عليه!ِ




سراج



أول ما أمست أسنده جدار القبر، وقد استرخى يرقب ليل العمر الهاجم، الليل بئرٌ، ومخيم لاجئين واطئ، ونجومٌ في سماء الله هالكة!
الدنيا ثقبٌ، كلّ شيء فيه يهوي، وحوش جأرت مكفنة، وزواحف تفحّ، وهي تصفق أجنحة من غير طيران!
نورُ سراج أمّه الخافت أطلَّ عليه من النافذة المقابلة، ومدّ العنق، مدَّه؛ ليدقّ الأرض، فهيج الوحوش، والتصفيق احتدّ، فارتوى كمعتاد، وبرد فنعس،
سمع زحفا على الرمل، فكان هناك خلق، وفانوس، وتقدّم نعش، ثمَّ توقف الجمع، وفوقهم تأرجح النعش، وحار الفتى، حتى اختنق، ولعن سوء التوقيت، وطال الأمر، وصار الجمع أوتادا، فدفن الرأس في الرمل!
وزحف إليه متحشرجا شيخ!
فقام الفتى بترابه على مراحل،، وانحرف منحدرا، باتجاه سراج أمِّه الباهت أسفل مقبرة المخيم!



مليكٌ وعصفورة





في السرير تمطّى مليكٌ؛ وقد شرع يحدَّثُ نديمته؛ عن زعيمِ قومٍ، أتى قمتَهم؛ كسوةُ رأسِه كوفيةٌ؛ وعلى ظهرِهِ يحملُ رسم خارطةً كنصلِ السكين، تتوسطها قُبةَ مسجدٍ مُذهبة
قال: فسُئِل عن شكواه، فاهتزَّ محموما؛ ورشقنا بقسوةِ عينيِه، فأقعدناه؛ حتى استكان؛ ثمَّ قمنا إلى طقوسِنا مليكا إثر مليك
ولقد قال ووجه نديمتِه يستلقي كعصفورَةٍ على كفِّه الغليظة:
ولمَّا على المنصةِ استقمتُ أنا، عجز ناظري عن مغادرتِه، وقد خمنتُه سيطرب لكلامي؛ فإذ بهِ عن بعد يروح على مقعدِه، ويجيءُ، حتى هبّ يهاجمُ الفراغَ مثل ممسوس، وبدا للملوكِ كمن يقاتلُ خلقا غير مرئيين، وظلَّ على ذلك، حتى ارتمى، فجرينا نلتمُّ، ودرنا عليهِ في دائرة، وقد صار حطبةً سوداء؛ تطلقُ وسطنا النشيج؛ وفجأةً انطفأ؛ فقلنا: مات
لكنّه عاد يقدحُ العينين، وذراعه رجعت تحوم
وأكمل المليك:
لحظتها دهمتني مشاعر خوفِ من ذاك الرجل؛ فتمنيتُ هلاكَه
قال ذلك، ومثل جملٍ استقام؛ ثمَّ شرع يخلعُ الثياب، وقد رجفَ ملهوفا، وهو يحلُّ حبلا يشدُّ بطنِه العظيم!



نصفُ إنسان!


منذُ تمَّ قصفُه؛ وكلما الشمسُ إلى غسقٍ تميل؛ يمضي فوق عربتهِ الواطئة، ليطرحَ السِّلامَ على قبرِهِ الموعودِ؛ وعلى ساقيهِ المكفنتين يتلو الفاتحة، منذُ تمَّ قصفُه!

الأرشيف

الإحصائيات