التجربة الإسلامية في مصر تواجه أشد أخطارها ... يحيي البوليني

.
التجربة الإسلامية في مصر تواجه أشد أخطارها .

يحيي البوليني

بادئ ذي بدء لابد وان نعي دوما حقيقة أن التجربة الإسلامية الجديدة في دول الربيع العربي تقع تحت سمع وبصر واهتمام العالم الغربي بكل ما فيه من عقائد وأفكار , ولن يقف الغرب أمامها مكتوف اليد منتظرا ما تسفر عنه إذ يعتبر نتائجها بالنسبة له مسالة مصير لابد , ولهذا لا يمكن أبدا تصور انه غير فاعل ولا مؤثر في الأحداث التي تقع لها .

ولم يكن هذا التدخل الغربي حاليا بالخفي ولا المستور , بل أصبح في بعض الأحيان مكشوفا ظاهرا لكل ذي عينين مثلما يحدث من السفيرة الأمريكية في القاهرة وتدخلها المباشر بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة ومحاولة توجيه مسار الأحداث والمواقف لدى جميع الأطراف .

ومنذ فترة طويلة شغل الغرب بالعالم الإسلامي محاولا القضاء على كل مظهر من مظاهر محاولة قيامه من رقاده الطويل , ليسهم بذلك في وأد الحركات الإسلامية بمعاونة النظم الدكتاتورية لقمع الإسلاميين ودفعهم إلى العمل دوما في ظروف شديدة التعقيد ليظلوا دوما تحت الأرض .

ولم تكن تلك المراقبة للفكرة الإسلامية وليدة اليوم بل صرحت به كثير من الوسائل الإعلامية , ففي صحيفة جويش كرونيكل وهي الصحيفة الناطقة باسم الجالية اليهودية في بريطانيا في مقال لها ذكرت فيه المد الإسلامي فقالت أنه " خطر يعم كل العالم حتى المعسكر الشرقي الروسي في ذلك الوقت، إنه لا العالم الغربي ولا الاتحاد السوفيتي يستطيعان أن يرقبا بهدوء هذه اليقظة الإسلامية التي لو أسيئ استعمالها من قبل الجماعات المتعصبة لنتج عن ذلك ليس هلاك إسرائيل وإنما زعزعة استقرار جزء كبير من العالم، ولن تسلم من ذلك لا الحضارة الغربية ولا الحضارة الشيوعية " .

ولكن بعد ثورات الربيع العربي أصبح ما يخشى الغرب منه حقيقة ماثلة قريبة المنال للإسلاميين حيث نجحوا ولأول مرة في عبور البوابة السياسية الصلبة التي ظلت موصدة قرونا طويلة , فنجحوا في الوصول لأغلبية في المجالس التشريعية ووصلوا لقصر الرئاسة في مصر مع وجود ملامح مشابهة تقترب أو تبتعد في باقي دول الربيع العربي الأخرى .

ولقد أبرزت هذه النجاحات على الساحة الحقيقة القلقة للمجتمع الغربي من التجربة الإسلامية المتمثلة في مخاوف مرتبطة ومتتالية ذكرها بعضها الدكتور عمر بادحدح في مقال له , أولها الخوف من ربط الإسلام بالسياسة وظهور ما يسمى بالنظام السياسي في الإسلام وقيام دولة تتبنى هذا المنهج , وثانيها التخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية أو قيام دولة على أساس ديني يتبنى المنهج السياسي الإسلامي وثالثها التخوف من أن تنهج هذه الدولة الوليدة نهج الجهاد الإسلامي الذي يدعو إلى تحرير كل الأرض من كل سلطان إلا سلطان الإسلام ورابعها التخوف من تكرار التجربة في عدة دول أخرى بعد خوض الأولى لتجربتها ونجاحها فيها مما يشكل ملمحا للدخول في التخوف الخامس الأكبر في إعادة الرغبة الملحة لدى جميع المسلمين بظهور صيحات إعادة الخلافة مرة ثانية إلى العالم , وهذا ما يحاول الغرب الحيلولة دون وقوعه .

ويبدو في هذا المشهد تكاتف كل القوى المتفقة والمتناحرة على حد سواء منذ زمن للوقوف صفا واحدا أمام كل تجربة لمحاولة إفشالها ذاتها والقضاء عليها قبل ان تصبح خطرا داهما , فقد كتبت صحفية إيطالية بعد إيرادها أنباء ندوة عُقدت في معهد (فانير) الصهيوني تحت عنوان: الاتحاد السوفيتي وجورباتشوف وإسرائيل واليهود: كان من مقرراته : إن الإسلام عدو مشترك لإسرائيل والاتحاد السوفيتي 

قائلة : " لأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفيتي وإسرائيل يجدان عدواً مشتركاً وهو الإسلام " .

ولما كان هذا التحول كعامل ديناميكي خارجا عن إرادة الغرب لم يكن للغرب أمامه سوى محاولة الإفشال بأي وجه كان , ولهذا أيضا جاء الدعم المادي اللا محدود ليلقي بثقله لتسخير كافة الإمكانيات الغربية والموالية للغرب , وأصبحت التجربة في مصر ساحة العراك الرئيسية لاعتبارات عدة كثيرة ومتنوعة , وهذه النقطة يجب ان يتفهمها الإسلاميون جيدا أنهم لا يمثلون في هذه التجربة أنفسهم أو أسماءهم أو جماعاتهم , بل يمثلون بتجربتهم الوليدة النموذج المثال لتطبيق نظرية الإسلام السياسية في العصر الحديث والتي سيكون لها ما بعدها إما بتقرب النموذج الإسلامي ليطرح نفسه بقوة بين أيدلوجيات العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية , ليصبح بناء نموذج مشابه يبنى على ما سبق أكثر يسرا , أو بإخفاق وفشل يليهما إبعاد لهذا الاختيار لعدة قرون أخرى .

والمخطط الذي يجب أن ينتبه له الإسلاميون وكل وطني مخلص في مصر وغيرها ان استراتيجيات الحرب قد تغيرت ملامحها , وقد عبر عن هذا التغيير البروفيسور الأمريكي ماكس مانوارينج الأستاذ بكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي في 13 أغسطس الماضي وذلك في محاضرته في المؤتمر السنوي لأمن نصف الأرض الغربي الذي عقد في معهد دراسات الأمن القومي بدولة الكيان الصهيوني – والفيديو مترجم على اليوتيوب - والذي وضح فيها ان الحرب الآن تتخذ إجراءات أخرى وهي استخدام أفراد من داخل دولة العدو وخارجه من كل الفئات والطبقات والأعمار , ليعملوا على إسقاط هيبة الدولة وتعطيل المرافق وتهييج الرأي العام واختلاق المشكلات والأزمات وتضخيمها حتى لا يتمكن النظام القائم من بسط سيطرته على حدوده , وليحاولوا إيجاد مناطق فراغ جغرافية أو افتراضية لا تستطيع الدولة السيطرة عليها , لعرقلة أي تقدم فيها وإسقاطها في شرك أعدائها بعد إنهاك قوتها , فقال " الهدف ليس تحطيم جيش أو القضاء على قدرة الدولة في شن مواجهة عسكرية خارج حدودها بل الهدف هو الإنهاك والتآكل ببطء ولكن بثبات من أجل أن ترغم عدوك على تنفيذ إرادتك ".

وهذا ما قاله الأستاذ طارق البشري في مقال له " إن ممارسات جرت في الشوارع لتفكيك الدولة المصرية، وظهر من التحقيقات أن ثمة نشاطا ممولا من الخارج ومن الولايات المتحدة وراء هذا الأمر، وكشفت التحقيقات عن أن ثمة خرائط لتقسيم مصر إلى دويلات " .

وكان من وسائلهم الخبيثة أحداث الوقيعة بين الإسلاميين وخاصة بين أقوى فصيلين فيها , وهما حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للإخوان المسلمين الذي ينتمي لهما الرئيس مرسي وحزب النور السلفي وهو الحزب الإسلامي الذي يضم الكثيرين من أبناء التيار السلفي والذي نال الشعبية الثانية في مصر في الانتخابات التشريعية الماضية .

ونتيجة لهذه الوقيعة وربما لنقص خبرة بدهاليز السياسة ومكر وسائل الإعلام في نقل التصريحات وإثارة الشبهات والفتن وقعت تلاسن غريب عن الوسط الإسلامي بين عناصر من الحزبين , وساهم في زيادته قرار رئاسي بإعفاء مستشار من حزب النور على خلفية لم يفصح المتحدث باسم الرئاسة عن تفاصيلها مما زاد في مدى الغضب والتنافر .

واستغلها من أشعلها ونفخ في نارها لتأجيجها , وهم عدد من الإعلاميين الليبراليين المعروفين بمعاداتهم للطرف الإسلامي كاملا , فاظهروا التعاطف الكامل مع المستشار المقال وأكثروا من استضافته , وزادت حدة التصريحات بين الجانبين , وبالفعل يحتاج الأمر للكثير من العقلاء من داخل الفئتين ومن خارجهما لكي توأد هذه الفتنة التي لازالت في مهدها والتي لن يستفيد منها إلا أعداء التجربة الإسلامية وهم من يقفون الآن في صف المستشار السلفي المقال وهم أكثر الناس بغضا لهما معا هو ورئيسه المنتمي للإخوان المسلمين .

إن كل الفتن السابقة مثل الحركات المسلحة ومهاجمة المنشات الحكومية وقيام الكثير من حركات التمرد المسماة حينا بجبهة الإنقاذ وحينا بالتيار الشعبي أو الثالث أو غيرها من الأسماء لم توهن الحركة الإسلامية في مصر بل زادتها تمسكا وصلابة , ولكن هذه التفرقة بينهم هي الأمر المخيف بالفعل وخاصة بعد وجود مظاهر دعم حدثت من حزب النور تجاه جبهة " الإنقاذ " التي كانت تصارع الحياة للبقاء في الصورة فأعطاها دعم حزب النور ثقلا جديدا .

فبدلا من محاولة تجنيب جبهة الإنقاذ العلمانية ووضعهم في حجمهم الطبيعي لعدم وجود شعبية لهم في الشارع المصري اعتبرت مبادرة حزب النور معهم كطوق النجاة لهم ليتشبثوا بالحياة مرة أخرى وليخرجوا رؤوسهم وليكملوا ما بدؤوه من

تخريب للمجتمع المصري وتفكيك لدولته .

وساهمت أيضا جماعة الإخوان المسلمين التي كثيرا ما يخلط بعض قادتها بين رؤيتهم الحزبية وانتماء الرئيس لهم , فيدلون بتصريحات تخص مؤسسة الرئاسة فتضعها في حرج شديد وتتسبب في إحداث أزمات لها لتضع الرئاسة دوما في موضع الرد على الاتهام بأنها تدار من خلال مكتب الإرشاد , وأولى بهم أن يفرقوا بين الموقفين , فلم يكن لهم دخل – نظريا – في ما يحدث في ديوان الرئاسة - فهي الجهة المنوطة الوحيدة بالحديث عن نفسها على لسان المتحدث باسمها وليس قادة الإخوان .

إن ما يحدث على الساحة الآن هو المرحلة الأخيرة لإدارة الصراع الخفي والإسلاميون في مصر معنيون بكل هذا , بل هم أول من يجب أن يعنى به فهم أخلص الناس حبا لأوطانهم , وهم أحرص الناس على التجربة الإسلامية , وهم من يدركون أن هذه الفرصة – إن قدر الله وفشلت – لن تسنح مرة أخرى إلا بعد زمن طويل .

لم يخش المسلمون يوما عدوهم , ولم يؤلمهم كثرته ولا قلتهم في عدد وعتاد , ولكن أخوف ما يخاف عليهم هو تشرذمهم وتشتتهم وتناحرهم , فهذا هو داء الأمة منذ زمن , بل هو أعظم أدواء الأمة , ففي مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم " سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا " .

وبعد نجاح الفئتين بإذن الله وبعد تدخل الحكماء وذوي الرأي بينهما , وأظنه قريبا بإذن الله , وستدخل مصر بعدها في مرحلة الصراع المفتوح المكشوف , فكل وسائل اللعبة القذرة المستترة قد نفذت , ولن يبقى إلا مرحلة الصراع المكشوف بين الأطراف الحقيقية بعد أن فشل كل المحاربين بالوكالة وكل النائحات المستأجرات .

فليستعد الإخوان والسلفيون وكل الإسلاميين لمرحلة هي اشد من كل سابقاتها يوم ان يقرر السيد الغربي بان كل عبيده وجواريه لم يستطيعوا ان يغيروا شيئا ولم يعطلوا هذه التجربة أو يحيدوها عن مسارها أو يفرقوا بين أبنائها , سيضطر من أرسلهم وانفق عليهم المليارات ان يظهر بوجهه القبيح الذي اعتاد إخفاءه وتجميله , لتبدأ مرحلة يجب ان نستعد لها جميعا , فلا نكتف بالنظر تحت أقدامنا , فأمامنا من يتربص جاهدا وواعيا ومستعدا .

 وآن لنا ان ننتبه ونعي ونستعد ونتخلص من آفات عقولنا الضيقة ونظرتنا السطحية  .

 المصدر : مركز التاصيل للدراسات والبحوث

الأرشيف

الإحصائيات