ضد النسيان بقلم فلورندا مصلح

.
ضد النسيان

حنين يسير في دمي، يزقزق كعصفور يرتعش بريشه المبلل من ندى الصباح، أعود بذاكرة مشبعة بالأزمنة التعبة إلى الأماكن الفارغة، أسجل الدروب في صفحات هامشية، تجاوزات كثيرة أعبرها بين الاحتمالات، هل كانت حكمة كثرة التجاوزات؟! أم كانت حكمة عبور الاحتمالات؟!
هي تداعيات لذاكرة تعود إلى نفض الغبار عن النصف الآخر للحقائق، سراب أم سلم لأنصاف الحقائق المفقودة, أرغب بلهفة إلى عدم المعرفة بها، فيكفيني من المعرفة أن تخبئني من الريح لسبع سنين عجاف، ربما أقل وربما أكثر.
ربما أسلم روحي لعاصفة لولبية تدور معها في الفضاء اللامتناهي، ثم تعيدها لي كروح وليد جديد، تختبر الأحداث بحذر من عاش حياة ثانية في عصر ما... تسير بحذر... تأكل بحذر... تحب بحذر... تنام بحذر...
أمنيات كثيرة... تنتظر قبعة وعصا ساحر، يتكئ الجسد على ظلال شجرة تفاح, ينتظر سقوط تفاحة, ليعيد سر الإلهام للجاذبية الأرضية, ولكن لا تفاحة ترغب في السقوط، كالروح تبقى معلقة في أغصان الجسد، تداعب أوراق العمر، وتعد حلقات السنين في جذع الشجرة، تمارس طقوسها في الصلاة والابتهال,على أطراف صحراء ظمأى للماء والكلأ.
أحصى أربعين قصة مرت في خاطري... أحفظها في علبة مخملية، فلم يعد هناك فرصة كبيرة لأربعين قصة تالية، هو القدير وحده ، يعلم كم قصة سأحفظها في علبتي الصغيرة مرة أخرى.
النهايات ليست كالبدايات، والذاكرة متوترة كعقرب الثواني، يقف في حضرتها شخوص تشكلوا بهيئة ملائكة أو شياطين برغبة محمومة من الأعماق، لا أحد بريء من رغبته، ولا أحد يستطيع الهروب كطائر السمان من برد كانون.
تتوهج الرغبة في اشتهاء الكلمات، تدفعها نحو القلم لتعتصر الحبر على الأوراق، وتهب أرجوان ورود البيت ألقا ... لا يأبه بتقلب الفصول الأربعة، خطى "بلا جدوى" تعيد ترتيب الأفكار، توقد الشموع في هيكلها السري لعشق الكتابة في ساعات الليل المتأخرة.
يغادر النوم العينين، لتغفو القصائد الجميلة في محجريهما، يدان تهدهدها بأغنيات دافئة، لا تبالي بتعاقب الليل والنهار.
يرحل الليل بطيئا بالكوابيس والهواجس ، كما تصفر الريح في الأرض الشاحبة، وكما نهرب من الأحزان ... فتبحث عنا الأحزان.
تتقلب الأشياء في فوضى داخل رأسي، ترسم مع تعرجات الدماغ خارطة أفكار جديدة لنشوة الكتابة في ليلة أخرى.
ينبلج نور الفجر، ويختلج القلب مع تراتيل سماوية، ويعبر المارون من حدود المساء إلى حدود الصباح دون رضوض أو شعور، كفارس يمتطي جواده مغمض الجفنين، يسيره الجواد حيث يشاء، زهرة نرد تحدد له كم مربع عليه أن يقفز منه ليصل إلى أقرب الكواكب في مجموعته الشمسية.
كتابات عديدة... وآفاق مفتوحة لنصوص لا تنتمي إلا لكاتبها، الأبواب مشرعة للاحتفال أو التأبين، فالكل يتمتم بعبارات مبهمة لمداعبة هالة الغموض الآسر، وأنا أشد وثاق الحروف إلى الأغنيات الهاربة من العيون الصامتة.
 ترنيمة مرتعشة تصعد إلى شفتي، والمطر خارج نافذتي لا ينهمر بل ينزف متمهلا، سكن الليل، وغابت في الموج صورة القمر، عندما انحنت لامرأة عادت للشاطئ الحزين، تجمع صدف البحار، تفرشه في منتصف العمر، تضيء قنديلا لحلم عبر السنين، مثقل بالهموم والحنين، ترتجف من رنين الذكريات مع اصطخاب الموج، تنتظر "أنانا" عند الميناء الأخير، تبحر السفينة وتحمل ما في القلب من حب أو وجع.

الأرشيف

الإحصائيات