قبل أن نقول بحسرة لأبنائنا : كان ههنا مسجد يُدعى الأقصى بقلم الكاتب : يحيي البوليني

.
قبل أن نقول بحسرة لأبنائنا : كان ههنا مسجد يُدعى الأقصى
الكاتب : يحيي البوليني

يقف عبد الله الأحمر آخر ملوك الطوائف بالأندلس على ظهر السفينة التي أقلته مطرودا منها , فينظر إلى ساحل الأندلس الذي يبتعد رويدا رويدا عن ناظريه فيبكي , فتقول له أمه : " ابك مثل النساء على ملك لم تصنه مثل الرجال " .

أخشى من تكرار هذا المشهد في المسجد الأقصى المبارك حينما يكتمل المخطط الصهيوني المعلن الذي بدأ منذ سنوات لهدم المسجد وإحلال الهيكل المزعوم مكانه .
لم تكن هناك ليلة أصعب على جولدا مائير رئيسة الوزراء الصهيونية – كما تقول في مذكراتها – من الليلة التي اتخذت فيها قرارا بحرق المسجد الأقصى عام 1969 خوفا من رد فعل المسلمين , وتصورت أن هذه الليلة هي آخر ليالي الصهاينة في فلسطين وأن هناك حربا شاملة ستقتلعهم انتصارا للمعلم الإسلامي التاريخي الذي يحتل مكانة في قلوب المسلمين جميعهم .
فلم تكن تتصور أن رد المسلمين وخصوصا العرب لن يزيد عن الشجب والتنديد والاستنكار ودعوة الجامعة العربية لقمة طارئة لم تنعقد بعد الحدث إلا بوقت طويل , وخرجت ببيانات هزلية لامتصاص الغضب الإسلامي ولتساعد إسرائيل على المضي قدما في مشروعها دون خوف من رد فعل عربي أو إسلامي .
 وفي هذه الأيام تزداد وتيرة الهدم المادي والمعنوي , هدم مادي بحفر الأنفاق تحته من كل اتجاه وهدم معنوي باقتحامه من قبل الجنود الصهاينة والعبث فيه وانتهاك حرمته بل وجعله مزارا للسائحات الغربيات اللاتي يدخلنه يوميا بكل ما يحملون من دنس مرتكبين داخله أفعالا يندى لها الجبين المسلم خجلا لا من فعلهم فحسب بل من تقصيرنا وعجزنا عن حمايته .
وفي آخر تقرير أخرجته مؤسسة "الأقصى للوقف والتراث" والذي نشرته وكالة " فلسطين اليوم " حيث أكد أن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للمسجد الأقصى الشريف قد زادت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام 2012م , حتى وصل عدد عمليات الاقتحام والمقتحمين إلى ستة أضعاف مقارنة بنفس التوقيت من العام الماضي
كما أضاف التقرير أنه قد ازدادت محاولات تدنيس المسجد الأقصى للسياح الأجانب ووارتدائهم ملابس لا تتناسب مع وجودهم في دار عبادة مع قيامهم بأفعال مخلة بالآداب وذلك كله بتشجيع ومباركة من الاحتلال الإسرائيلي , فبلغ عدد المستوطنين والجماعات اليهودية الذين اقتحموا الأقصى – بحسب التقرير - خلال الأشهر الثلاث الماضية حتى يوم 27 مارس 1034 مستوطنا وأن عدد السياح الأجانب الذين دخلوا ساحات المسجد الأقصى بلغ 63 ألفًا و887 سائحًا أجنبيا , كما بلغ عدد الجنود الذين اقتحموا المسجد بلباسهم العسكري والمخابرات والشرطة الخاصة 983 جنديا
كما وثقت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث – وهذا جهدهم الذي بذلوا وسعه - هذه الاعتداءات بالصور الفوتوغرافية وعبر شهود عيان وتواجد ميداني ودعوا المواطنين إلى "التواجد والرباط والتواصل الدائم مع المسجد الأقصى المبارك، ورفد المسجد الأقصى بأكبر عدد من المصلين يوميًّا"، كما دعوا العلماء والحكام والشعوب العربية والإسلامية إلى مزيد من فعاليات نصرة وحماية المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف .
ولا تزال تتوالى الدعوات العلنية لهدمه دونما اكتراث برد فعل عربي أو إسلامي - وكأننا لا قيمة لنا ولا حضور – والتي كان أخرها من عضو الكنيست عن حزب الاتحاد الوطني آرييه إلداد الذي دعا باتخاذ الإجراءات الفورية لبناء الهيكل المزعوم، حيث قال إن " بناء الهيكل يجب أن يتجدد ميدانياً على الأرض بعد إزالة المسجد الأقصى، دون النظر إلى الردود السياسية أو العالمية ".
فهل سيظل المسلمون – حكاما ومحكومين – مبتعدين عن تلك القضية الجوهرية التي لها قيمتها الأساسية في الإسلام , وهل سيديرون ظهرهم للمسجد الذي كان مسرى الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم , وهل سيضيع الأقصى مثلما ضاعت كل فلسطين بين الخيانة الداخلية والتخاذل الخارجي .

الأرشيف

الإحصائيات