منظمة مشبوهة وأتباع مضللون وحرية مزعومة تعتدي على الدين بقلم الكاتب : يحيي البوليني

.
مقال : منظمة مشبوهة وأتباع مضللون وحرية مزعومة تعتدي على الدين

الكاتب : يحيي البوليني

لا أعتقد , كما يشاركني الكثيرون عدم اعتقادي بجدوى ونفعية أدوار الأمم المتحدة في التصدي للمشكلات الدولية رغم ما تثيره حولها من هالات دعائية , ورغم الاجتماعات المكثفة التي تعقدها والمبالغ الطائلة التي تنفقها أو تُنفق عليها .

فلا تزال الدول الكبيرة تتصرف وفق قناعاتها الشخصية غير مبالية بقرارات باقي الأعضاء , ولا تزال المعايير الأخلاقية أو القيمية غائبة تماما عن القرارات التي تصدرها تلك المنظمات – إن تمكنت أصلا من إصدارها – ولم يعترض عليها  أحد مندوبي الدول التي تمتلك حق النقض - , فالقرارات باهتة وبطيئة وليس لها آلية لتنفيذها لتظل تلك القرارات دوما إن صدرت حبرا على الورق ولا جدوى منها .

فبرغم وجود منظمة الأمم المتحدة منذ عشرات السنين فما اتحدت الأمم أبدا والكل متفرق في غالب القضايا , ورغم وجود مجلس الأمن إلا أنه ليس أمن متحقق لكثير من الدول في العالم , ورغم منظمة الأغذية والزراعة يعاني كثير من سكان العالم من مجاعات قاتلة ومهلكة , وبرغم وجود منظمة للطفولة إلا أن هناك 300 طفل يموتون بسبب سوء الاغذية وفق آخر تقارير منظمة " أنقذوا الأطفال " وغيرهم من يموت نتيجة نقص الأدوية والظروف الصحية والسكنية غير الملائمة فضلا عن الحروب ... فماذا تفعل تلك المنظمات وما هي جدواها ؟!!!

إن هذه المنظمات أبعد ما تكون عن القضايا التي أنشئت من أجلها , فهي لا تعمل إلا لصالح الدول الأكثر غنى والأعلى رفاهية في مستويات المعيشة نظرا لتحكمهم فيها وفي تعيين موظفيها , ولا يستطيع الدول التي تعاني من الفقر والجهل  والمرض أن تفعل شيئا ولا تلزم أحدا بقرار حتى ولو كان قرار إنسانيا محضا .

وهناك كثير من المخدوعين يعتقدون حيادية تلك المنظمات , فالحيادية مستحيلة في ظل سيطرة قوية من الدول الغنية والقوية على المنظمات الدولية , فلا يؤخذ قرار ويتم التصويت عليه إلا إذا كان في صالح تلك الدول والتاريخ خير شاهد وقرارات المنظمات الدولية لازالت محفوظة ويمكن الرجوع إليها .

ومنظمة هيومن رايتس ووتش إحدى هذه المنظمات الدولية التي تدعي أنها تعتني وتهتم بحقوق الإنسان , فبحسب بيانها التأسيسي سنة 1978 أنها " منظمة دولية تتألف من أكثر من 180 شخصا يعملون على مراقبة حقوق الإنسان في شتى بقاع العالم " ، ومقرها الأساسي في مدينة نيويورك ولها عدة مكاتب في كثير من بلدان العالم .

وتصدر تلك المنظمة تقريرا سنويا عن حقوق الإنسان في العالم لترصد الدول التي تنتهك تلك الحقوق وترصد الانتهاكات ومن ثم توصي المجتمع الدولي بالضغط على تلك الدول لتغيير سلوكها نحو الإنسان وحريته .

ولكن بعد قراءة تلك الأهداف البراقة والكلمات المنمقة لا نرى لها تنفيذا في دنيا الواقع , فنرى تلك المؤسسة تتغاضى عن كثير من السلوكيات المجرمة لأنظمة دول في حين أنها تسلط الضوء على انتهاكات مماثلة أو أقل لدول أخرى وربما تصدر تقريرات فيها ادعاءات لا حقائق على أنظمة سياسية وفق مصالح دول كبرى أو وفق اتفاقات معينة .

فاستخدمت تقارير تلك المنظمة استخداما سياسيا لإسقاط حكومات أو لإثارة الشعوب للقيام بثورات في حين أنها تتكتم وتتستر على جرائم أخرى لا تذكرها إطلاقا في تقاريرها .

فكيف يمكن أن ينظر أحد إلى تقاريرها بأدنى قدر من الاحترام , وهي التي غضت الطرف عن مخازي سجون جوانتنامو أو سجن أبو غريب أو ما يحدث من انتهاكات يومية ومتكررة في فلسطين التي تحولت كلها إلى سجن إسرائيلي كبير وخاصة مدينة غزة التي يعاني أهلها منذ سنين طويلة من حرمانهم من كافة وسائل الحياة الآدمية , وأيضا المعاناة الدائمة التي يعانيها عرب الأحواز على يد النظام الشيعي الإيراني , ولم تنظر إلى معاناة الإيجور الشعب المسلم داخل الصين , وغيرها من النقاط التي تنتهك فيها حقوق الإنسان كثيرا .. وبالطبع هذا شأن لا يهم هيومن رايتس ووتش كثيرا .

وتزيد تلك المنظمة المشبوهة الطين بلة حينما تضع دفاع الشعب الفلسطيني عن نفسه وعن وجوده في موطنه فتضعهم في جانب منتهكي حقوق الإنسان ولا تذكر إلا النزر القليل - لذر الرماد عن العيون- من ممارسات الدولة العبرية معهم لتنقل للعالم صورة أن الفلسطينيين هم المعتدون دوما وأن اليهود المحتلين للأرض هما من المساكين المسالمين .

وتحاول دوما تلك المؤسسة أن تصور للعالم أن الدول الإسلامية كلها بقع مظلمة لحقوق الإنسان , وأن الرقي والتقدم الحضاري دوما ينتحي جانب الغربيين لإثبات تفوق الحضارة الغربية على الدول الإسلامية , ولا تذكر أبدا أن الدكتاتوريات التي يعاني منها العالم الإسلامي ما هي إلا نتاج الحكومات المستبدة التي يرعاها الغرب بنفسه ويدافع عنها ويساندها بكل قوته .

وللأسف يساعد تلك المنظمة المشبوهة نفر من مدعي الثقافة في بلداننا العربية والإسلامية , ممن يخلطون الحق والباطل من أجل ابتزاز الغرب ليتدفق عليهم بالمعونات والمساعدات تحت اسم مراكز حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني , لتلتقي الغايات هنا وهناك  .

وتحاول تلك المنظمة تقليل ما تنقله عن بعض الدكتاتوريات الحقيقية المنسجمة معهم في سحق الشعوب في العالم العربي فتغضي الطرف عنه وعن أفعاله , حتى إذا ما اضطرت لذكرها تقلل دوما من الحقائق , هل يمكن أن نصدق أن النظام السوري قد انتهك طفولة 12 طفلا فقط في سوريا , فبعد صمت لمدة عام كامل قالت المنظمة في تقرير لها صدر يوم الجمعة الموافق 3/2/2012 وذلك أيضا على لسان مدير حقوق الإنسان فيها " لويس ويتمن " أن " الجيش وضباط الأمن السوريين لم يترددوا العام الماضي في توقيف أطفال وتعذيبهم"، موضحة أنها " أحصت 12 حالة على الأقل اعتقل فيها أطفال في ظروف غير إنسانية وعذبوا أو قتلوا بالرصاص في بيوتهم أو في الشوارع ".

ودعت في بيانها الكيان الوهمي الهلامي الآخر المسمى بمجلس الأمن إلى أن يطلب من دمشق فورا وقف هذه الانتهاكات والتعاون مع لجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة , فحتى هذه الإدانة التي لا قيمة لها لم يستطعها هذا المجلس الوهمي فأحبطها الفيتو الروسي الصيني .

وقد رُصد الكثير من أكاذيب تلك المنظمة على الدول والحكومات , ولعل من بينها ما نشرته على إثيوبيا عندما بدأ الاستثمار السعودي فيها وتم تأجير مساحات من الأراضي للسعوديين للزراعة , فحينها تم توجيه الاتهامات بانتهاك حرية الإنسان وغيرها من التهم السياسية لإثيوبيا , وهي التهم الجاهزة لمعارضي النظام الاحتكاري العالمي أو للذين يريدون الخروج عن ذلك الفلك المدمر , في حين لا تذكر جرائم كثيرة أخرى مثل الانتهاك الجنسي للأطفال أو فضائح الرهبان في الأديرة أو تجارات الرقيق الأبيض للنساء الفقيرات في جنوب شرق آسيا , وغير ذلك الكثير مما يجب على تلك المنظمة أن تتابعه إن كانت حقا ذات رسالة .

وعلى الرغم من صمت تلك المنظمة عن كل المخازي والمصائب العالمية , تأتي هيومن رايتس ووتش وتطالب بعدم محاكمة حمزة كشغري التي أساء للنبي صلى الله عليه وسلم , وتنتقد السلطات الماليزية لتسليمه للسعودية وهو وفق ما أصدرته المملكة تجاهه مطلوب للمحاكمة , فبأي قانون تحكم تلك المنظمة وبأي معيار تقيس تقاريرها وبياناتها ؟!!

فقالت المنظمة أن مجرد خضوع حمزة كشغري للمحاكمة عمل غير شرعي وغير آدمي , ووجهت نداءً إلى حكومة المملكة ، تطالبها فيه بإطلاق سراحه وإسقاط جميع الاتهامات الموجهة إليه  , وتطالبها أن تعتبر أن تعليقاته تمثل معتقداته الخاصة التي لا يجب أن يحاكم عليها , واعتبرت أن ماليزيا تجاوزت الشرعية عندما قامت بترحيل كشغري إلى بلاده , وصدرت في تقريرها للعالم أن كشغري لن يحصل على حاكمة عادلة في ضوء فتوى عدد من علماء الدين بإدانته بتهمة الردة .

وإذا كانت تلك المنظمة لا تعلم أن مقاصد الشريعة الكليات عند المسلمين خمس , وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال , وحفظ الدين عندنا – أي المسلمين – مقدم على باقي الأربعة .

فإذا كانت المنظمة التي تدعي انتصارها لحرية الإنسان وحقوقه لا تدرك تلك الحقيقة الإسلامية , فما هو العذر لدى مدعي الثقافة من المسلمين الذي ينادون بجعل حرية الإنسان فوق كل القيم والمبادئ والشرائع ؟!

المصدر : مركز التأصيل للدراسات والبحوث

 

الأرشيف

الإحصائيات