ليبيا: لا تقعوا في المطبات العراقية بقلم رياض الأمير

.

عام على  بداية الانتفاضة الليبية التي تكللت بإنهاء نظام القذافي وأسرته. حلم كان يراود أغلب الليبيين لعقود. كل يوم يعرف الليبيون بالإضافة الى العالم عن الجرائم التي اقترفها النظام بحق الشعب. وكل يوم تظهر بشاعة ما اقترفه القذافي نفسه بحق بنات وأبناء ليبيا وعن ولع القذافي بالاغتصاب وتصفية ضحاياه أو من  يجرؤ على الإفصاح عنها، واحدة من صور الاستبداد الذي ساسه القذافي نفسه على الليبيين. بغض النظر عن تقييم دور الدكتور جمال السامرائي  كمستشار للقذافي، لكن في شهادته عن النظام والقذافي بالذات يحتاج إل مطالعة  كاملة لكي يتعرف المواطن الليبي وكذلك العربي وكل إنسان في العالم على شخصية  القذافي الحقيقية المريضة  ذات النرجسية المتأصلة بالإضافة إلى النزعة التسلطية التي  يرافقها الرغبة في  الانتقام. كما أنه بدد ثروات الشعب الليبي على دعم أغلب الجماعات المتطرفة في العالم والحكومات الموالية له في أفريقيا، في الشرق أو الغرب في الوقت الذي كان فيه المواطن الليبي جائعا.
إن نظام صدام حسين وأفراد عائلته لم يختلفوا قط إلا بالمفردات عن ما قام به القذافي وأفراد عائلته ونظامه. إن كلا النظامين أزيلا بمساعدة خارجية وكلا النظامين خلفا ورائهما انهيارا كاملا في البني التحتية وكذلك في شبكة النسيج الاجتماعي في البلدين.
إن التجربة العراقية في وصول سياسيين غير أكفاء وإغراق مؤسسات الدولة بأصحاب الشهادات المزورة، إلغاء الكفاءة الوطنية والوقوع  في فخ المصالح الأجنبية، عسكرة المجتمع وتقسيمه مناطقيا وطائفيا وحزبيا خلف انفلات أمني رهيب استغلته، ليس فقط الجماعات الإرهابية وإنما أيضا عصابات الإجرام المنظمة بالإضافة إلى المليشيات الحزبية المختلفة. كان المواطن العراقي الضحية الرئيسة لذلك حيث أهدر دمه واستبيحت حريته وهدم جدار أمنه وأصبح اليوم الذي يعود من قضاء حاجة ما إلى بيته عيدا. إن الصراع الشرس بين المجموعات السياسية وكذلك رموزها أفسد الرغبة لدي العراقيين في الاعتراف بأن الديمقراطية هي أفضل السبل للحكم. كما أن الفساد المالي والإداري جعل الأغلبية من العراقيين ينفرون من النظام الجديد والكثرة منهم أخذت تحن إلى النظام السابق بغض النظر عن جرائمه وبطشه. فبعد مرور 9 سنوات على إسقاط نظام صدام حسين، بني نظام جديد قوامه بعض الأحزاب  التي أصبحت بؤرا للاستقطاب. أما مخلفات النظام السابق من الانتهازيين والوصوليين أو تجار السياسة  والدين الذين كان هدفهم ليس مصلحة العراق وإنما  مصالحهم الشخصية من أجل الإثراء غير المشروع بعد جوع في الغربة عايشوه أيام النظام السابق. كانت أولى الأخطاء إلغاء المؤسسة العسكرية السابقة وتسريح  الذين تعدى عددهم مليون جندي وضابط وصف ضابط دون إيجاد بديل، لكي يعبدوا الطريق لأغلبية تفتقر إلى  الكفاءة المهنية والإخلاص للمصلحة الوطنية من  عناصر الميلشيات والجماعات المسلحة.
كما تم بسبق الإصرار إنهاء دور الدولة المركزية ذات السلطة الواحدة، وجيش مسلح، وقوى أمن تشرف على عموم الوطن، باتت اليوم ـ وبصرف النظر عن إذا ما كانت الفدرالية مبدأ صائبا للحكم أو خطأ ـ دولا وسلطات وجيوشا تتداخل مع بعضها حينا وتتقاطع حينا آخر. ومن أجل استيعاب عناصر المليشيات الحزبية  تضخمت أعداد منتسبي الجيش وقوى الأمن الداخلي  دون كفاءة منهية وهي مخترقة من قبل أعداء النظام الجديد، كما تضخمت عناصر حمايات المسئولين  الكبار والصغار حتى تحولت إلى جيش لا يتبع أحدا سوى من يمول عناصره.
ففي هذه الأيام قبل عام انطلقت ثورة شعبية عارمة تحلى بها الليبيون بشجاعة كبيرة للانتفاض ضد نظام القذافي ووجدوا الشجاعة أيضا في طلب المساعدة الأجنبية دون الخوف من اتهامهم بالعمالة وخيانة الوطن.
لابد من الاستفادة من واقع العراق الآن من أجل  الابتعاد عن الوقوع في مطبات أخطائه؛ إلغاء كل أشكال العسكرة وإبقاء السلاح في أيدي قوات الأمن والجيش، فقط، هو أولى الخطوات في بناء ليبيا جديدة. إن  حصول جماعات إسلامية متطرفة على السلاح ستكون  نتيجته الحتمية استخدامه ضد خصومهم مهما كانت نزعتهم الفكرية وارتباطهم بحب الوطن.
إن أول انطباع للزائر لطرابلس وفي مطارها سيرى تصرف بعض المتشددين الإسلاميين، سيوقن بأن ليبيا ستسير في اتجاه لا يختلف عما كان في زمن القذافي. في زحمة الاحتفال بالثورة ظهر جليا في شوارع العاصمة بأنها لم تعرف بعد الاستقرار، لأن مجموعات الثوار التي تنتمي لمناطق محددة، تمتلك القوة الفعلية  في غياب سلطة مركزية قوية. فثوار الزنتان يقومون بتأمين المنطقة المحيطة بالمطار بينما يتولى ثوار مصراتة تأمين مناطق أخرى في طرابلس.
بعد انتصار الثورة لم تتمكن الحكومة المركزية من حل  مشكلة الميلشيات وإعادة عناصرها إلى الحياة المدنية نظرا لمقاومة الكثير منهم لفكرة تسليم سلاحهم والعودة إلى حياتهم المعتادة قبل الثورة بحجة أنهم إذا سلموا سلاحهم فإن هذا يعني ببساطة إلغاء دورهم في الثورة، وبالتالي إلغاء دورهم في مستقبل ليبيا. هذا ما أثار قلق  القادة الليبيين الجدد من خطورة الوضع؛ حيث حذر رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل من أي مساس بأمن ليبيا، متوعدا بالرد بقوة على أي شخص يهدد استقرار البلاد. وقال عبد الجليل في كلمة بثها التلفزيون الليبي عشية ذكرى الثورة: “إن المجلس فتح ذراعيه لكل الليبيين، سواء دعموا الثورة أم لا. ولكن هذا التسامح لا يعني أننا غير قادرين على الحفاظ على استقرار البلاد”.
إن الوضع الاقتصادي الليبي يشير إلى أنه بحالة صحية إن لم يخنق بأيدي المفسدين الماليين كما في العراق اليوم. فقد قدر محافظ مصرف ليبيا المركزي الصدّيق عمر الكبير أصول البنك المركزي والاستثمارات الخارجية بنحو 100 مليار دولار، محررة بالكامل، وتبقى حوالي 50 مليار دولار غير محررة. وأكد بأن السيولة المتوفرة للبنوك والمصرف المركزي تضاعفت بمقدار أربع مرات منذ نوفمبر الماضي لتبلغ 1.6 مليار دينار.
تعزيز روح المسامحة في خلق قاعدة صلبة لوحدة كل أبناء ليبيا بغض النظر عن منطقتهم وقوميتهم ولون بشرتهم من أجل بناء مجتمع مدني تسوده العدالة ويحميه  نظام ديمقراطي وإلا سوف ينصرف الناس عن النظام الجديد ويبدؤوا بالترحم على القذافي والحنين إلى نظامه.. احذروا المطبات العراقية.

 

الأرشيف

الإحصائيات