أعلام من اللد والرملة بقلم ب. فاروق مواسي

.
أعلام من اللد والرملة
ب. فاروق مواسي

نص محاضرة أمام طلاب الثانوية (اللد – الرملة)

اسمحوا لي في هذه العجالة أن أقدم لكم أعلامًا أفذاذًا عاشوا هنا في اللد والرملة، وكم يظل هذا الموضوع بحاجة إلى التأصيل والمتابعة، وليس حصرًا على المدينين!
الرملة:-
هذا البلد الذي اختطه سليمان بن عبد الملك سنة 716 م ، فبنى أولاً القصر ودار الصباغين والمسجد (الأبيض)، وحفر آبارًا عذبة، وبقيت هذه المدينة عامرة إلا فترة عمد فيها صلاح الدين الأيوبي إلى تخريبها، حتى لا ينتفع بها الصليبيون الذين كانوا على مشارفها (سنة 1187مـ).
من أعلام الرملة كان الشاعر أبو الحسن التهامي (ت. 1026 م)، فكان بها مقيمًا، وصار خطيب مسجدها، ويذكر أن ولده  أبا الفضل توفي، فرثاه الشاعر الوالد:
أبا الفضل طال الليل أم خانني صبري
                                 فخيل لي أن الليالي لا تسري
.................
أرى الرملة البيضاء بعدك أظلمت
                             فدهريَ ليل ليس يُفضي إلى فجر
وكانت الرملة قد ذكرت في شعر كثير عزة (ت. 723م)  في معرض حديثه عن القيسييين:
حموا منزل الأملاك من مرج  راهط
                               ورملة لدٍ أن تباح سهولها
من الأعلام في الرملة كان ابن رسلان الرملي (1271- 1440) ، وقد صنف عدة تآليف أبرزها شرح سنن أبي داود في أحد عشر مجلدًا، كما أن وضع  كتاب- إعراب الألفية.
برز في الرملة الشاعر كشاجم (ت.917م )، وهو محمود بن الحسين وأصله فارسي، فقد عاش طويلاً في هذه المدينة، وبسبب كونه متعدد الاهتمامات فقد أخذوا الكاف من أول كاتب، والشين من أول شاعر، والألف من أول أديب، والجيم من أول جواد، والميم من أول منجم، وأرادوا زيادة الطاء من أول طبيب فلم يستقم لهم اللقب، فاكتفوا باللقب: كشاجم. ونحن نعرف كشاجم اليوم من ديوانه الذي يزخر بوصف الطبيعة، ومن كتابه المصايد والمطارد.
في الدراسات الدينية نجد كذلك الرميلي (ت. 1099 م)، وقد كانت تأتيه الفتاوى من مصر ليدلي دلوه فيها. أسره الصليبيون، ومات شهيدًا محاربًا مقبلاً غير فارّ (انظر كتاب اللباب ج1 ، ص 477).
أما خير الدين الرملي (1585- 1670) فقد كان إمامًا محدثًا من أبرز كتبه  الفتاوى الخيرية لنفع البرية، وله ديوان شعر، وكانت له مكتبة تضم ألفًا ومائتي مجلد، فكان الوزراء يسعون إليه ليفيدوا منه. وقد ورد في كتاب خلاصة الأثر (ج2، ص 134) أن "الرملة كانت في أيامه مركزًا للناموس والفتوى وأحكام الشرع".
أما آمنة الرملية المتصوفة فقد عاشت في القرن التاسع الميلادي، والتقت بكراماتها بأبي بشر الحافي، وعادته في مرضه، وكان أحمد بن حنبل قد عرف بها.
ثمة أسماء أخرى لمعت في عصرها نذكر منها يزيد بن خالد الهمذاني، وكان راوية للحديث،  وهناك أعلام آخرون لكل منهم عطاؤه الديني منهم عمران الرملي، أبو الفضل البزاز الرملي الحافظ، ابن طويط، والقومسي ....
في العصر الحديث نتوقف لنتعرف إلى سليمان التاجي الفاروقي (1882- 1958) ، وقد فقد بصره في التاسعة، وحفظ القرآن في العاشرة، ونهل من الأزهر فأثار إعجاب الشيخ محمد عبده.
أتقن الفاروقي اللغات التركية والفرنسية والإنجليزية، وعرف عنه أنه فسر القرآن في مسجد آيا صوفيا. واشتهر خطيبًا بارعًا يرتجل خطبه كما يرتجل الشعر.
من الطرائف المروية عنه أنه كان محاميًا، وكان يرافع في قضية أمام القاضي الإنجليزي. سمع الفاروقي قرار الحكم الجائر، فإذا به يلقي عصاه ويأخذ في البحث، فما كان من الإنجليز إلا أن سألوه: عم عم  تبحث؟ فأجاب على التو: أبحث عن العدالة. وبسبب جرأته نفي أكثر من مرة إلى تركيا.
حرر الفاروقي صحيفة الجامعة الإسلامية، وكانت له أشعار كثيرة ضاعت بعد النكبة. ومن المفاجئ في إصداراته  ومعرفته أنه أصدر الذرة في خدمة السلام.
أقول: هذه شخصية عجيبة في ثقافتها الواسعة، وأظن أنه لو أشهر المستشرقون أمره أسوة بطه  حسين لكان له شأن أي شأن.
من الأدباء كذلك عبد الحميد الأنشاصي (1910- 1991) وقد أصدر خمس روايات: القيود، اليقظة، اعترافات عاشق، من أجل المال، الوفاء الزوجي. وله أربع مسرحيات تدور كلها حول قضايا اجتماعية وإنسانية وله ديوان أزهار من حديقتي، وعدد من المؤلفات الأخرى.
أما عبد الرحمن الكيالي (1914-  1998) فقد حصل على الإجازة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من كلية دار العلوم ­بجامعة القاهرة عام 1936، ثم عمل قاضيًا في يافا.
تابع دراسته  ليحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة الجزائر عام 1973، و منح وسام القدس للثقافة والفنون عام 1990.
من أعماله: الوافي في تاريخ الأدب العربي- 3 أجزاء 1950 ­– 1960، التأسيس في النقد الأدبي- عمان 1960، الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين، الساحل الوضاء -شعر.
من أدباء الرملة كذلك عيسى السفري (1894- 1949). تلقى دراسته الثانوية في يافا، وزاول التعليم عدة أعوام في المدارس الأمريكية، انضم إلى قلم تحرير جريدة فلسطين لصاحبها عيسى العيسى. أسس مكتبة في يافا وزاد عليها مطبعة، وقد اعتقل زمن الانتداب البريطاني لمقالاته الثورية. نزح سنة 1948 إلى الأردن، حيث عكف على كتابة خواطره ومذكراته. وفي عام 1949 عاد إلى التحرير في صحيفة فلسطين.
من أعماله: رسالتي نثر وشعر/­ يافا 1937، دماء ودموع- خواطر أدبية 1947، فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية /جزءان/­ يافا 1937.
اللـــــد:-
اللد- هذه المدينة التي قيل إن على أبوابها سيقتل عيسى بن مريم الدجال ورهطه- كما ورد في حديث شريف كانت قد ذكرت في أربعة مواضع في الكتاب المقدس، الأمر الذي يدل على عظمتها ومكانتها. غير أن شأنها انحسر بعد أن أسست الرملة التي أصبحت عاصمة فلسطين في مرحلة من تاريخ الأمويين.
ذكر جميل بثينة (ت. 701 م) اللد في غزلية له:
تذكر أنسًا من بثينـــة ذا القلبُ
                      وبثــنةُ ذكراها لدى شجن يصبـــو
وحنّت قلوصي فاستمعت لسجرها
                         برملة لــدٍ وهي مثنــية تحبـــو        
وأورد المعلى بن طريف ، وهو مولى الخليفة المهدي العباسي- ذكرها، فقال:
يا صاحِ إني قد حججــتُ        وزرت بيــت المقدسِ
وأتيت لدًّا عامـــــــــــــدًا       في عيد ماري جرجس
فرأيــــت فيـه نســـــــوة        مثلَ الظباء الكنّـــــس
ويبدو أن اللد اشتهرت آنذاك بخمرها، فقال ابن الأعرابي (ت. 845 م):
فبت كأنني أسقي غريبًا    بكأس غريبة من خمر لــــد

بين رجال الحديث ذكر اسم أبي يعقوب بن سيار اللدي، وله تصانيف كثيرة. كا عاش لاحقًا حسن اللدي (ت1689) في المدينة، ومن آثاره: حاشية على شرح المفتاح في المعاني والبيان، ولوائح الفرح بالطالع السعيد المشتملة على الذكر والبسملة والتحميد.

أما  في الأدب الحديث فقد برز أبو الإقبال اليعقوبي (1880- 1941) الذي لقب "حسان فلسطين"، وكان مدرسًا في جامع حسن بك. له ديوانان شعريان:  حسنات اليراع (قسمه ثلاثة أقسام – الإلهيات، الدهريات، الحميديات)، وقد صدر بعد وفاته (1954). وله ديوان النظرات السبع، وهو موشح ذو سبعة فصول أو نظرات- كما سماها.
من كتبه الأخرى: الاتحاد الإسلامي، حسان بن ثابت،  حكمة الإسلام، المنهج الرفيع في المعاني والبيان والبديع.
 اعتقل في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين ، ثم ما لبث أن عمل أستاذًا للعلوم اللغوية والأدبية والدينية. كان من المتحمسين لمبدأ الجامعة الإسلامية.
ومن أبناء اللد اشتهر ذكر عبد الحميد ياسين (1906- 1975)، فكان أولاً مساعدًا لمدير لبرامج في الإذاعة الفلسطينية، وواصل تحصيله العلمي حتى أصبح عميد كلية التربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة. شغل وظائف أخرى قبل النكبة منها: وظيفة مدير لبلدية (يافا) سنة 1947. وبعد عام 1948 لجأ إلى الأردن، وعيّن في إدارة معاهد المعلّمين، ثم خبيراً في اليونسكو، ثم اختير أميناً عاماً للجامعة الأردنية عند إنشائها، ثم شغل مدير عام الإذاعة الأردنية سنة 1967.
حرر مجلة  رسالة المعلم المعروفة في حقل التربية، وعمل مديرًا لمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في القاهرة.
من كتابته القصصية أقاصيص (يافا- 1946 ، وهي عشر أقاصيص اجتماعية)، كما ترجم كتاب العقل والمنطق من تأليف هاري ألن،  وبرنارد وفر ستريت، بيروت- 1960.

                         *                  *                  *

وأخيرًا أقول ما قاله الفرزدق بتحوير لفظة:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم          إذا جمعتنا يا  (جحودُ) المجامع
ألا تسألون الناس عنا وعنكم      إذا عظمت عند الأمور الصنائع
هذا غيض من  فيض، ومن يدري فلعلكم تكونون خير خلف لخير سلف!                   
...........................................

الأرشيف

الإحصائيات