المرزوقي وصانعو الثورة وتغير المواقف بقلم الكاتب : يحيي البوليني

.
مقال : المرزوقي وصانعو الثورة وتغير المواقف *‎
الكاتب : يحيي البوليني

حال المرزوقي يصلح نموذجا حيا وواقعيا وحديثا لتغير الإنسان عندما ينال فرصة ليظهر ما في داخله , فالرجل الذي كان معارضا لظلم ابن علي ونظامه , وظل مطرودا فترة طويلة خارج تونس , وأنصفته الثورة - التي ما شارك فيها - وعاد إلى بلده لكي يُنصب كرئيس مؤقت للجمهورية , ظن نفسه أنه صار رئيسا حاكما وتحدث بكل استعلاء وسخرية عن بعض الإسلاميين السلفيين وسماهم بالجراثيم التي قال أنه لن يسمح بنموها في تربة أرض تونس .

مثل هذا قاله ابن علي عن شعبه , وهكذا قال القذافي من قبل عن شعبه بأنهم جرذان , وهكذا يقول بشار الأسد الآن عن شعب سوريا , وهكذا تعامل أحمد عز وجمال مبارك مع شعب مصر ,  وهكذا يتعامل كل الطغاة في كل زمان ومكان , فما الجديد وما الفارق بين المرزوقي كحاكم جاءت به الثورة وبين كل حاكم ظالم جاء على غير إرادة الأمم والشعوب ؟!!

أيها المرزوقي : إن هؤلاء " الجراثيم " – مع كل الاعتذار مني لاستخدامي لكلمتك - هم من الذين تصدوا لنظام مجرم قاتل حتى أسقطوه  , وقفوا أمامه وأمام قوته الغاشمة , سفك دماءهم واستباح حرماتهم فما لانوا ولا خضعوا ولا استكانوا , كان دمهم الذي يسيل على الطرقات وقودا لهم يدفعهم لمزيد من التقدم ومزيد من التضحية حتى ينالوا حريتهم , وذلك في الوقت الذي كنت " تجاهد !! "  فيه أنت على صفحات الانترنت وأنت خارج تونس .

هؤلاء " الجراثيم " هم الذي جاءوا بك ووضعوك على كرسي الحكم في بلد ما كنت تستطيع أن تدخل من مطاراته أو موانيه في ظل نظامه السابق , وهم الذين فتحوا لك أيضا قنوات التلفزة التونسية الرسمية لكي يستضيفوك ويحدثوك بصيغة " سيادة الرئيس " , ثم بعد ذلك لا تجد ردا على تضحياتهم سوى تسميتهم بالجراثيم .

وتحدثت عن رجل – ذاك الذي وصفته ونعته بالشاذ - وأنت ولا أمثالك لا يعرفون قدره , وكيف تعرف مثل قدره , وأنت بعيد كل البعد عن العلوم الشرعية ولم تكن يوما تنطلق في خلافك مع النظام التونسي من منطلق إسلامي ؟ .

ونحن لا نتحيز لأشخاص وندعي لهم العصمة في كل ما يقولون , فربما تكون القضية الفقهية التي تحدث فيها الشيخ وجدي غنيم قضية خلافية - وهي قضية ختان الإناث - , لكنها ولكونها قضية فقهية فلا يملك أن يرد عليه فيها إلا من يمتلك العلم الشرعي , وليس لمن لا يملك نصيبا من العلم الشرعي أن يفتح فيها فمه – حتى لو كان طبيبا أو أستاذا جامعيا - , فالقضايا الشرعية لنا كمسلمين لا تطرح على موائد النقاش لمن لا يمتلكون إلا الأهواء الشخصية , وليس لهم إلا المصادر الفكرية العلمانية الغريبة عن ديننا وعن مجتمعاتنا الإسلامية , فلم يكن الميدان ميدانك لتدلو فيها بدلوك , فكان لابد عند تدخلك فيما لا تحسن أن تأتي بكل غريب عجيب وخارج عن القواعد .

لقد عدت يوم 18/1/2011 , بعد فرار ابن علي من تونس بأربعة أيام , واستقبلك أهلها بكل حفاوة في مطار قرطاج , عدت وقد ذقت مرارة الظلم والسجن والإبعاد عن الوطن , وعندما اختاروك رئيسا عليهم وعدت بأن تكون رئيسا لكل التونسيين , فما بالك اليوم قد أخلفت وعدك ونكثت في عهدك فسميت فصيلا أساسيا من السلفيين التونسيين بتلك التسمية القبيحة , فأخرجتهم من حساباتك , كل هذا ولم يمر على توليك الحكم ما يقارب الشهرين فكيف لو بقيت سنوات ؟ .

لقد جربتَ السجن أربعة اشهر في عهد ابن علي , وذاق مرارته الشيخ وجدي غنيم سنين طوالا في عهد حسني مبارك , فقد دخل السجن ثمان مرات في الفترة ما بين عام 1980 : 1995 , وسجون مصر إذا كنت لا تعلم تختلف تماما عن أية سجون , ومُنعت من دخول تونس وعشت في فرنسا طبيبا وناشطا حقوقيا ومحاضرا في الجامعة , وخرج وجدي غنيم منفيا مطاردا من مصر محكوما عليه بأحكام غيابية بالسجن , هائما في معظم بلدان العالم لا يستقر في مكان حتى لا يسبب مشكلات بين الدولة المقيم فيها والنظام المصري , ولم يستطع العودة لبلده حتى بعد القيام بثورتها والإطاحة بنظامها السابق ..

 ألم تكن هذه أسباب تجمع بينك وبينه ؟ وتجعله محط اهتمامك لكونكما أصحاب بلاء مشترك ويجعلك تستشعر معاناته التي ذقت طرفا منها لا أن تسمه بالشذوذ وتصف من دعاه بالجراثيم ؟!!  .

لقد نلت احترام الناس عندما كنت معارضا للظالمين , والشعوب المسلمة تحترم كل من يتصدى- ولو بالكلمة - للظالمين وفقا لما نؤمن به أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر كما صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم , فاحترمتك الشعوب وأولهم تونس , ولكن الشعوب المسلمة تحترم بقوة الشيخ وجدي غنيم لما وقف من المواقف الكثيرة أمام أكثر من سلطان جائر , وهو لا يمتلك أية قوة ولا يمتلك حينها قوت يومه , وما تنازل عن مبدأ , ولم يلن يوما بكلمة لسلطان جائر كان ينتظرها منه ليعفو عنه وليعيده إلى بلده , فأخشى أن تكون قد فقدت بذلك الموقف وتلك الكلمة ما جمعته في سنين طويلة .

ألم تكن سجين وطريد حرية فكر ورأي , وكنت تنادي دوما كناشط سياسي وحقوقي بضرورة سيادة مفهوم حرية الفكر , وأن الأفكار لا تواجه إلا بالأفكار , وهل كانت تُفتح القنوات الفضائية لاستقبالك إلا تحت مسمى ناشط من نشطاء حقوق الإنسان ؟ , وهل فعل الشيخ وجدي غنيم شيئا سوى أنه قال رأيا – لك أن توافقه أو تعارضه كما شئت -  , فلِمَ تخليت عن كل المبادئ التي كنت تنافح عنها لمجرد جلوسك على كرسي الرئاسة ؟ , وحقيقة أحب أن أتساءل عن الكيفية والآلية التي ستعمل بها لكي لا تسمح لظهور هؤلاء " الجراثيم " كما توعدت , سوى البطش السابق الذي كنت تنقمه على ابن علي ونظامه ؟

لقد بكيت على شهداء تونس يوم توليك المنصب , فهل نسيت أو تناسيت أن ممن بكيت عليهم من تسميهم اليوم بالجراثيم , فهل كانوا يومها من الجراثيم أم من الرجال الأبطال يوم أن كنت أنت خلف الشاشات ؟

أيها المرزوقي : إنها البداية , وهذا هو الخطأ الأول الذي يعفيك منه اعتذارك الذي قدمته لشعب تونس , ولهم الحق في أن يقبلوه أو لا يقبلونه كأصحاب حق أصيل لا يفتئت عليهم أحد , مع الأخذ في الاعتبار أنك اعتذرت عن اللفظ ولم تعتذر عن مضمون الوعيد الذي توعدته للسلفيين , وهذه خدعة منك , ولكنك أيضا لم تعتذر للرجل الذي كان ضيفا على تونس وأهنته كرئيس لها

قد تمر هذه , ولكن لابد وأن تعلم أن للشعوب ذاكرة لا تنسى , فاحذر من أخطاء قادمة قد لا يعفيك منها الاعتذار ولا حتى أن تقول لقد فهمتكم .

* مقال جديد غير منشور

الأرشيف

الإحصائيات