صهيل لاجئ بقلم مراد فضيلات

.
لستُ أدري كيفَ تندلقُ الكلماتُ من فمي .. لكنّي على يقين بأنّ شيئاً واحداً يستحقُ أن أعجنَ اللغة من أجله , و أكتبَ القصيدة .. ألا و هوَ الوطن ..

قصيدة بعنوان : صهيل لاجئ

إلى أين نمضي يا أبي ..؟

و البحرُ في الرّيح استقامة و اعوجاج ..

إلى الحُلم نسير , و الشوقُ يحملنا ..

لهفة القلبِ , رعشة و ارتجاج ..

من المنفى أغنّي .. عائدون ..

لا تعرفُ رغبتي أفقاً ..

حدوداً أو سياج ..

لا أنتَ تبتلعُ الزبد ..

و لا هيَ تشربُ الأمواج ..

هذهِ الأسماكُ ميتةٌ ..

و لا حياة في الماء الأجاج ..

سمائي لي , و هذا البحر مشنقتي ..

قضاءُ الرّبِ ذاكَ و لا احتجاج ..

إلى أين نمضي يا أبي ..؟

الدرب عتمٌ و للفجر انبلاج ..

سأحلمُ بأشباهي , بالمرايا ..

و من الرمل أبتكرُ الزجاج ..

و احترقَ البحرُ يا أبي ..

هل احترق ..؟

أينَ السماء ..؟

و العدل الموزّع بإجحافٍ على الفقراء ..

أندمعُ .. لا ..

سنغني للأمل , دُمنا بحاراً من طينٍ و ماء ..

يا ثورتي انتظري قليلاً ..

تحزمينَ حقائبكِ و تذهبينَ إلى الرّحيل ..

كيفَ أحيا دونَ ماء ..؟

أسحبُ الإسفلتَ كي أقترب ..

فيزلقني دمعُ السماء ..

صورُ المرايا زائفة ..

و النور وجهُ الكهرباء ..

أرهقني شحُّ القمح , و ندرةُ البنادق ..

و أبواقُ الرياء ..

و ما في يدي حيلةٌ – يا بلادي ..

سوى الغناء ..

أو الغناء ..

إلى أين نمضي يا أبي ..؟

و الجندُ عادوا ..

 من ميتةِ الحربِ الأخيرةِ ..

إلى ثـُكنةٍ وسطَ المدينةِ ..

كالنسيمِ جاءوا من كلِّ باب ..

أعاتبكم !

و على قدر المحبةِ يا أخوتي يأتي العتاب ..

لا رماحَ على ظهور الجندِ ..

و لا رمّانَ على الأياطل ..

أهذهِ هاماتُ جنودٍ أم شمّاعاتُ ثياب ..؟

كأنَّ لي صوتاً ..

كأنَّ لي صوتاً لأبوحَ بالأسباب ..

هناكَ ينمو العشبُ بينَ نهدي امرأةٍ ..

و على جدران المنفى يحطُّ غراب ..

كأنَّ لي شتلةً , يلاطفها نسيمُ "رام الله" ..

و يبللها دمعُ السحاب ..

كأن لي عمراً , سأمضيهِ ..

أستلُّ نبتي يابساً من أرض اليباب ..

إلى أينَ نمضي يا أبي ..؟

و نحن للنفط للبترول ..

للدولار نركع ..

لأمريكا و للغرباء بعد الذل ..

قبّعاتنا نرفع ..

للشهيد و الثكلى , و أوجاع فلسطين ..

و الخيبات ندمع ..

يا الله ! يا الله !

أي أمةٍ نحن ..؟

ألغير الله بالدعاء أكفنا نرفع ..؟!

إلى أينَ نمضي يا أبي ..؟

و عمَّ نبحث ..؟

عن خيمةٍ !

أم شبهِ جزيرةٍ عسكريّة ..؟

ضاقَ الكونُ يا وطني ..

و غطّت سحابةٌ سوداءُ سقفَ فكرتنا القديمة ..

أحدِّقُ في الميثاق - بشاكلتهِ هذهِ .. المناقضةِ للتنكير ..

و أسألُ يا أخوتي عن انكماش المساحات , و الفكرة ..

أوتعلمون ..؟

الوطنُ في عهودنا ..

كانَ الوطنُ في عهودنا  ..

أوسَع من الأفق ..

أوسَع من الآفاق ..

أكثَر من برتقالةٍ ..

أكثر من البرتقال ..

أكبَر من رايةٍ ..

أكبَر من الرّايات ..

هذا ما كتبتهُ أقلامنا ذاتَ رغبةٍ جامحةٍ في الانتصار ..

هذا ما قالهُ جدّي في تأريخهِ العَفوي ..

هذا ما تعرفهُ البندقيّة ..

إلى أين نمضي يا أبي ..؟

و نسأل ..

من ذا الذي يستبيح القمر ..

و يحجبُ ضوءَ الجميلةِ عن أرض البشر ..

من ذا الذي يستريحُ بصمتٍ ..

و يصنعُ من قلبِ النبيلةِ ..

خيمَ الغجر ..

من آل سعود , مسخ العروبةِ ..

من سطوةِ "الفودكا" و "الـليغا" ..

إلى قطر ..

أسمّيكَ صديقي ..؟ لا ..

حبيبي ..؟ لا ..

أنتَ الذي سيموتُ بجوعٍ ..

في شتاءٍ ليسَ فيهِ المطر ..

تتنازعُ معَ الضوء على الضوء , و تنطفئان معاً ..

لا ننحنُ ننعمُ بالضوءِ و لا أنتَ تنيرُ المدى ..

من ذا الذي ينسيكَ وجهي ..

سوى فخذِ إمرأةٍ حمقاءِ , مثقلةٍ بالمَذى ..

تجرجرُ الصّبحَ خلفكَ إلى غياهبِ العتمةِ ..

يا ابنَ القحبةِ كفى و كفى ..

و نائمٌ على الرّصيفِ أنا ..

لستُ أبالي بالنوّى ..

ثملٌ عبوسٌ شاحبٌ ..

قلبي عن الحبِّ انزوى ..

ليسَ لي في النَسجِ نفعٌ ..

و مثلي من الوخز ارتوى ..

يا أيها الوطن المبعثرُ كالشّظايا ..

حيِّدني عن صراعاتِ الهوى ..

إلى أينَ نمضي يا أبي ..؟

و النّورُ يخرجُ من علبةِ الكبريتِ ..

و يصنعُ الظلَّ في الكُحلِ المُعمّق ..

خربشَتي في اللّيلِ , بوحُ القلبِ ..

لا ضحكةٌ صفراءُ , و لا حبرٌ مُنمّق ..

نهداكِ معزوفةُ الصّلصالِ يا جــفـــرا ..

لولا يدايَ لقلتُ : كذبة , لا تُصدّق ..

شفتاكِ أغنيةٌ من الكرز الخجول ..

لا .. بل زهرتانِ , رحيقهما خمرٌ مُعتّق ..

يا ظبية الحيِّ الرتيبِ , قومي ..

ها هُنا ولدٌ فقيرٌ , ها هُنا ثوبٌ مُمزّق ..

ما كانَ سهمُ الحبِّ كالبترولِ في تقلّبهِ ..

الحبُّ أغنيةُ الخلودِ و في السّماءِ أحلامٌ تُعلّق ..

 إلى أين نمضي يا أبي ..؟

و جفرا نائمة ..

جفرا فتاةٌ عاشقة , حلمٌ جميلٌ ..

أرضٌ و شعبٌ و برقوقٌ .. حنطة و برتقال ..

جفرا فتاةٌ لاجئة ..

و جفرا بندقية ..

جفرا حقيقة , لا خيال ..

جفراءُ  قومي ..

هيّا أنهضي .. هذا أنا ..

أنا الطفلُ الفلسطيني ..

أنا الحجر ..

أنا يا بنتُ بينَ النار و النار ..

أكرعُ من نهدِ إبريقي النبيذ ..

ساقي على ساقي .. وَحدي ..

لا شيء يشبهني , لا العتمةُ السوداءُ ..

و لا الخمرُ اللذيذ ..

أنا يا بنتُ وَحدي في وَحدتي , حفظتُ الدرسَ ..

هذا الضوء لي ..

أنا معلمُ الفصل .. أنا التلاميذ ..

جفراءُ  قومي ..

هيّا أنهضي .. هذا أنا ..

أنا ابنُ الرايةِ الصفراء ..

أنا هديرُ العاصفة ..

أنا ابن فــتــحٍ ..

أنا الجبالُ الشامخة ..

أنا ابنُ فلسطين يا جفراء ..

أيا جفراءُ .. ماذا قلتِ ..

في حماكَ , لستُ بخائفة ..

بظلّكَ أستظلُّ ..

بهديكَ أهتدي ..

كلّ القصائدِ دونَ نبضكَ زائفة ..

زاحفون .. و عائدون ..

و عائدون ..

هذا نشيدُ الحرِّ - أقولُ – و لستُ بخائفة ..

زاحفون .. و عائدون ..

و عائدون ..



مراد فضيلات

الأرشيف

الإحصائيات