أيلول وطرق الخزان .. بقلم د. مازن صافي

.
أيلول وطرق الخزان  .. بقلم د. مازن صافي

لا أدري ما الذي دعاني لأعيد قراءة " رجال في الشمس " للأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني .. لقد عنونت مقالي بعنوان " أيلول وطرق الخزان " .. ولمن لم يقرأ روايته " رجال تحت الشمس "  القصة هى باختصار عن فلسطينيين كانوا داخل قاطرة تقلهم للكويت عبر الصحراء حيث ماتوا داخل خزان القاطرة اختناقا بسبب الحر الشديد .

لقد ترك لنا غسان كنفاني سؤال باق في حياتنا وهو : لماذا لم يقرعوا باب خزان القاطرة ..؟لماذا .؟! .. البعض قال أنهم طرقوا الخزان في لحظات فقد إمكانية أمل في الوصول لوجهتهم ولكنهم توجهوا ليبقوا أحياء .. لقد كانت اللغة في الرواية غاضبة وتحريضية .. وبالتالي كان الهدف هو الانتقال من حالة الانفعال إلى حالة الفعل .. من حالة الانتظار إلى حالة التقدم ..
وهنا يحضرني القرار الفلسطيني المتقدم والرائع بأن تكون أيلول محطة انتقالية نحو ثقافية الفعل لا الانفعال .. ثقافة التخطيط والانتقال الى المربع المتقدم بنفس أسلوب الانتقال من مخيمات الشتات واللجوء والتهجير إلى أرض الوطن فلسطين .. طرق الخزان قبل انتهاء الوقت .. أيلول يمثل حالة مبادرة يبنى عليها .. ولا يمكن النظر الى أيلول أنه محطة النهاية أو الموت للحلم والقرار الفلسطيني .. وكذلك هو ليس محطة للشكوى أو الخروج عن المألوف .. بالتالي تم سبق السؤال بجواب .. لن نموت داخل خزان الحصار الفلسطيني وحصار القرار الفلسطيني .. بل سوف لن ننتقل من منطقة الى منطقة في  عربات مهربة أو في داخل كرفانات مغلقة ..
القائد الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستحق منا كل الدعم والتأييد لأنه يخوض معركة سياسية ودبلوماسية واستيراتيجية للشعب الفلسطيني في أوقات فاصلة وحساسة وفي ظل متغيرات كثيرا ما كانت مثيلاتها تؤجل المشروع الفلسطيني وبل تعمل على إخفاء الأوراق في الظل لحين انتهاء التغيير .. فهذا الشعب الفلسطيني أيضا يستحق منا كل  العمل الكفاحي والثوري والسياسي المتقدم لأن الجماهير الفلسطينية خاضت تجارب فلسطينية تستحق الاحترام ..
إن العملية العسكرية التي قامت بها حركة فتح في نفق عيلبون كان لها حضور البطولة الفلسطينية ولحركات التحرر الوطني وحولت الحركة من سرية إلى علنية .. اليوم نقول أن العملية السياسية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية في أيلول الفلسطيني تذكرني بتلك العملية العسكرية .. وسوف تؤسس لما بعدها .. وسوف تلغي النمط التفاوضي واللغة الفلسطينية مع إسرائيل ليدخل في اللعبة السياسية عناصر أخرى لم تكن موجودة في خارطة الحل للقضية الفلسطينية ..
اليوم مطلوب أكثر من أي وقت مضى ، توحيد القوى الفلسطينية بكافة تصنيفاتها وميولها وأيدلوجية فكرة انطلاقها .. فالهدف هو فلسطيني بامتياز .. وبالتالي ان استحقاق الوصول الآمن إلى أيلول يعني أن تأجيل تطبيق وفتح ملفات المصالحة غير مقبول وغير قابل للفهم ..
ان المصالحة الفلسطينية هي مشروع فلسطيني لا يقل أهمية عن مشروع أيلول كما لا يقل عن أي مرحلة نضالية تم توثيقها في التاريخ الفلسطيني منذ احتلال الأرض وتشريد الإنسان الفلسطيني ..
كل هذه المشاريع هي الأيادي التي تطرق الخزان وبل ترفض أن يبقى الانتقال من منطقة لأخرى بموافقة إسرائيلية .. أو أن يتم مطاردتها من الجو والبحر وفوق الأرض ..
أيلول يدعونا جميعا للوحدة الفلسطينية وتوحيد الصفوف ونبذ أي خلافات .. والخلاف كله شر .. ودعوة مشروعة لأدل طرق الخزان بقبضات قوية وغاضبة أيضا .. فالغضب الفلسطيني لا يعني أبدا أن نغضب في وجه بعضنا البعض ونبقى في  حالة اللامصالحة اللاانقسام .. أو أن نبقى نكيل الاتهامات لبعضنا البعض أو نحول منابرنا الإعلامية والدينية لتشريح لا لزوم له .. المطلوب صيانة روح المصالحة للحفاظ على الجسد من الزوال .. فالاحتلال فقط إلى زوال .. أما كل حركة وكل تيار فهو من النسيج الفلسطيني يجب تحريم أن يتم  إخراجه من النسيج أو ترقيع مكانه .. فهذا النسيج هو إرادة الجماهير والقدرة على الفعل والأداء المطلوب لنظهر في أجمل صورة وأقواها أمام الجميع أننا نستحق حياة أفضل وأن على هذه الأرض  ما يستحق الحياة .. ونتذكر كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش حين قال : لي على هذه الحياة ما يستحق الحياة : على هذه الأرض سيدة الأرض .. أم البدايات .. أم النهايات ..  كانت تسمى فلسطين .. صارت تسمى فلسطين ..سيدتي : أستحق لأنك حبيبتي .. أستحق الحياة ..
هل سنفشل في أيلول .. هل نحن على جاهزية لاستحقاق أيلول .. ماذا يوجد في العمق الفلسطيني بديلا عن الفشل في أيلول .. هذه جميعها تساؤلات وردت في غالبية المقالات والتحليلات التي تناولت " مرحلة أيلول القادمة " ..  ولا أحد ينكر مشروعية الفكر ولكن أن يكون هذا الفكر دائم للمشروع وليس مثبط له ..  حافز وليس متراجع .. ولنا في الشعب الفلسطيني التجربة الكفاحية الرائدة .. فهذا الشعب الصغير تمكن رغم التبعثر وقلة الإمكانيات وتقسيمه بين غرف الزعماء العرب في أوائل القرن الماضي ومصادرة قراره الوطني .. استطاع أن يعيد البوصلة إلى فلسطيني القضية والإنسان .. وارتقى إلى مستوى التضحيات فكانت منظمة التحرير الفلسطينية محطة عظيمة ومتقدمة في تاريخ الشعب الفلسطيني .. وتجاوزت الحسابات الضيقة  للعرب وتوسعت الرؤية حتى انتقلت لكي تكبر وتكبر فوق أرضنا المحتلة .. إنها مراحل عظيمة متلاحقة وتؤكد على حقنا في  أن نبدع ونؤسس لمرحلة تنقلنا من  عقم المفاوضات الفلسطينية الى المعالجة الشاملة عبر المؤسسات الدولية والحقوقية ..  ودائما ليكن قرارنا متسلح بالمحرك الأساسي وهو الجماهيرية الفلسطينية كنز العطاء والوفاء والفعل والسند الحقيقي لأي مرحلة سياسية ونضالية ..
في مسلسل التغريبة الفلسطينية وحين كانت عائلة أبو أحمد وأهالي قريته يخرجون من قريتهم تحت وابل القذائف الصهيوبريطانية وصمت العالم أمام أكبر عملية تشريد وإجرام إرهابي .. شعرنا جميعا بمعاناة الأجداد ومعنى التشريد والقتل للروح والجسد وحرق الأرض والتاريخ .. يومها سأل الختيار أبو أحمد أسرته بصوت حزين جدا أحزن كل المتابعين للمسلسل .. قال لهم : " وين رايحين " .. ولم يكن هناك جواب لأن الطريق كانت محروقة وغير معبدة وصادمة ومفاجئة .. وبقي السؤال الكبير .. لوين رايحيين .. وجاء الرئيس الفلسطيني الشهيد الختيار أبو عمار بعد مجازر 1982يجيب حين سأله أحد الصحفيين وهو فوق السفينة إذ كنت تغادر بيروت إلى أين ؟!
فجاء صوتك مجلجلاً واثقاً إلى القدس .. وما صدقوك .. ولكنك صدقتهم .. وإذ بك تعود إلى أرض الوطن ، لوضع حجر الأساس للدولة الفلسطينية العتيدة ..  اليوم نفس السؤال يتم سؤاله للرئيس أبومازن .. إذا فشل التصويت في أيلول الى أين ..؟! سيكون الصوت صادقا إلى القلب الفلسطيني إلى الوحدة الفلسطينية الى القرار الفلسطيني الواحد ،لوضع الجميع في صورة المسؤولية التاريخية أمام الإرادة الفلسطينية القوية .. والدولة الفلسطينية العتيدة لن تكون مجرد حلم .. بل قرار قيادي جماهيري بامتياز ولا يمكن التنازل عنه بأي صورة كانت ومهما كان الثمن .. هذا شعب فلسطين وهذا هو التاريخ وهذه هي الحقيقة ..
Clove_yasmein@hotmail.com

الأرشيف

الإحصائيات