القصاص.. حياة بقلم محمد أحمد عزوز

.
القصاص.. حياة

كم أثلجت صدورنا عندما رأينا الرئيس المخلوع وابنيه وكبار معاونيه داخل قفص الاتهام، يحاكمون على ما ارتكبوه من أخطاء جسيمة في حق أبناء الشعب المصري، وعلى الرغم من أن المحاكمات أتت متأخرة جداً عما كنا نتوقع، لكنها أعطتنا بصيصاً من الأمل، بأنهم فعلاً سيحاكمون.
سواء خرج مبارك براءة أو أدين، وكما يتوقع الكثير من الجماهير، أن المحامي المخضرم فريد الديب، نصير رجال الأعمال والقتلة والمرتشين وتجار المخدرات، سيأتي له بالبراءة، لا محالة، ولو حدث هذا بالفعل، فسنخرج في مظاهرات، لا حصر لها، ولن نرجع إلى دورنا إلا إذا أعيدت محاكمته وأدين على ما ارتكب من جرائم يندى لها الجبين، بل يشيب من هولها الولدان، لأننا لم نطالب بمحاكمته إلا لأننا نعلم يقيناً أنه مدان، وليس عندنا أدنى شك في إدانته.
نعلم أن القانون المصري، قانون وضعي، وبه كثير من الثغرات، التي تجعل من أي محامٍ، مهما كان صغيراً، يستغلها، في الدفاع عن موكله، ويخرجه كالشعرة من العجين، حتى لو كان مداناً مئة في المئة.
أبناء الشعب المصري بطبيعتهم عاطفيون، وقد لعب فريد الديب على هذا الوتر، عندما أتى بالرئيس المخلوع محمولاً على سرير طبي وفي سيارة إسعاف لحضور جلسة المحاكمة، لكي يستجلب عطف الجماهير، وهيئة المحكمة الموقرة، على الرغم من أن الأطباء المعالجين له صرحوا بأن حالته الصحية مستقرة، وليس عنده ما يمنع وقوفه أمام هيئة المحكمة.
أنا لا أشكك في نزاهة قضاة مصر الشرفاء، وليس عندي أدنى شك في أنهم سيحكمون حسب الأوراق المقدمة إليهم من المحامين، لكن هذه قضية رأي عام، ويجب أن تأخذ هيئة المحكمة في الاعتبار، أن هناك ما يقرب من ألف شهيد وقتيل، قتلوا بأوامر مباشرة من الرئيس المخلوع، ورئيس داخليته حبيب العادلي، وهناك من أصيبوا بعاهات مستديمة جراء استخدام أجهزة الأمن العنف معهم أثناء المظاهرات السلمية.
مهما كانت الأوراق المقدمة إلى هيئة المحكمة، ومهما كان محامي الدفاع مفوهاً وعبقرياً، إلا أن هناك أشياء لابد وأن توضع في الاعتبار، فكم من أم ثكلى فقدت فلذة كبدها؟ وكم من أرملة فقدت زوجها؟ وكم من أسرة فقدت عائلها؟ وكم... وكم... إلخ، أثناء المظاهرات.
مبارك حكم مصر ثلاثة عقود، عاث فيها فساداً، وجعلها مرتعاً لأعوانه من المرتزقة والحرامية وتجار المخدرات والخونة، مما جعل عصره يوصف بين السواد الأعظم من المصريين بـ«الأسود»، لأن أكثر قراراته كانت ضد أبناء الشعب، وكأنه مسلط عليهم، أو انه يعمل ضدهم.
طالبنا ومنذ البداية، أن يقدم مبارك وابناه وأركان حكمه، إلى محاكمة عادلة، لأن عهده كان يمتاز بالظلم والاستبداد، فكم قدم من مدنيين إلى المحاكم العسكرية، لكي لا يكون لهم حق في الدفاع عن أنفسهم؟ وكم اعتقل من أطفال لا يعلمون شيئاً عن أحزاب ولا جماعات إسلامية، وكل جريمتهم أنهم كانوا يؤدون الصلاة في أوقاتها؟ وكم انتهك من حرمات المصريين على مرأى ومسمع من العالم؟ وكم منع دخول الدواء إلى المعتقلين السياسيين، على الرغم من أن القانون يكفل لهم العلاج على نفقة الدولة، طالما أنهم رهن الحبس أو الاعتقال؟ وكم قتل من أبرياء في المعتقلات بسبب استخدام العنف معهم؟ وكم ... وكم.
لا داعي لإبداء التعاطف مع الظالمين، ولا نختلف على أمر معلوم، وشيء مشهود، ومن كان متعاطفاً فعليه أن لا يعلن هذا أمامنا، ولا يفتعل المشاكل معنا، نحن لم نطالب إلا بحقوق إخواننا التي سالت دماؤهم الزكية في الميادين والشوارع بغير ذنب ارتكبوه أو جريمة فعلوها، إلا أنهم خرجوا مطالبين بحقوقهم المشروعة.
سئمنا من المجاملات التي في غير محلها، فما خرب مصر إلا المجاملات الباطلة، التي جعلت كل مقدرات الدولة تذهب لأناس بعينهم مساندين للنظام البائد، مما جعل أكثر من ربع أبناء مصر يعيشون تحت خط الفقر، على الرغم من أن مصر حباها الله بخيرات كثيرة ووفيرة ولكنها تحتاج إلى إدارة وطنية تعدل في توزيعها.
نريد القصاص، لا أكثر، لكي تهدأ الأسر التي فقدت عزيز لها، فما جعل الله القصاص إلا حياة لأولي الألباب، ولن يستقر حال مصر ولن يهدأ بال أبنائها، إلا إذا أخذنا للمظلوم حقه من الظالم، ولا داعي للمجاملات التي قضت مضاجعنا.
محمد أحمد عزوز
كاتب مصري

الأرشيف

الإحصائيات