معادلة وجودية مقلوبة .. بقلم احمد بارود

.
معادلة وجودية مقلوبة .. بقلم احمد بارود

قد لا يروق للبعض القول بأن الحضور الفلسطيني اليوم ، في كل مظاهره العصرية، أشبه بالخدعة السينمائية ، مشغول عليها جيدا ، سياسيا وإعلاميا وفكريا ، ليبدو حضورا سويا كأي حضور سوي في هذا العالم . بينما الحقيقة التي يراد تغيبها من وراء ذلك هي أن الفلسطينيون الذين استلب العدوان و الاحتلال من حياتهم أسباب نموها الطبيعي فأخل بالتالي بشروط تطورهم التاريخي السوي بعد أن صادر الأرض و زور الجغرافيا فمزق نسيج علاقاتهم بالعصر ، لم يبق لهم من حضور عصري سوى في ميدان الكلام فقط .. اللغة فقط .. حيث لا يملكون من وسيلة غير اللغة يثبتون أو يؤكدون بها حضورهم المعاصر أو انتسابهم للعصر .
نحن من دون شعوب الأرض, والأشقاء العرب كما أظن, نتميز بقدرتنا ، اليتيمة ، على استخدام الكلام إن كان في السياسة أو في الشعار أو في الخطبة أو في الخطاب .. وفي كل أشكال التعبير النظري الأخرى .. ذلك لأننا الشعب الوحيد في مطلع الألفية الثالثة الذي اختلت وهوت معادلة وجوده ولم يبق من عناصر تلك المعادلة غير عنصر الإنسان فقط خارج الجغرافيا الوطنية بلا ملك ولا سيادة ولا استقلال .. بل نحن أقرب في جوهر وجودنا إلى البدائية ، أو نحن كالبدائيين لا نخضع في أشكال وجودنا الاجتماعي و الاقتصادي إلى ما يألفه خبراء العصر من قواعد أو نظريات .
إننا نفتقر في جوانب كثيرة من وجودنا إلى الكثير من عناصر الحداثة التي تجعل من علاقاتنا بالعالم و بالأشياء علاقات عصرية .. لماذا ؟؟؟
معروف عادة أن الناس تربطهم بالأرض علاقات مباشرة متعددة تتصل بالزراعة والصناعة والسيادة بينما لا نرتبط نحن بأرضنا بغير باللغة ، فهي الأداة الوحيدة التي نتصل عبرها بالوطن أو, بالأرض المفقودة, ونمارس بها السيادة المنقوصة والمحظورة .. وحتى عندما يتكلم الناس, غيرنا, عن أوطانهم فإنهم يتكلمون عن تجربة الحياة في واقع أنتجوه ,هم, بالعمل والجهد و الإرادة بينما لا نسجل نحن عندما نتكلم عن وطننا إلا صدى لقصة حياة مبتورة رددها آباؤنا عن تجربة لم تكتمل, فيما نردد,نحن, اليوم الرواية أو نحلم بها تعويضا عن ظروف نعيشها بغير إرادتنا ووقائع مفروضة علينا بجهود الأعداء.
لقد حاولنا ، بغير اللغة ، أن نؤكد وجودنا في هذا العصر باستخدام وسائله وأدواته وهي وسائل و أدوات لا تتفق مع شروط هذا الوجود غير العصرية.
.استخدمنا السلاح مثلا ولم يكن بوسعنا إنتاجه أو تجديده أو الحفاظ عليه فدخلنا في مواجهات عسكرية خاسرة .
كما حاولنا تأكيد وجودنا في العصر من خلال ربط قضيتنا بشبكة من العلاقات مع قوى عالمية معاصرة فأدخلنا هذا الوجود في حلبة صراع دولي لا يهم أطرافه بالدرجة الأولى غير أن توظف حقوق الضعفاء والحلفاء في خدمة قضاياها الكبرى .
وهل تعتقدون بأن الجهد " الشرعي " الذي يبذله اليوم القطب الأمريكي المنتصر لحل القضية الفلسطينية سوف يشذ عن توظيف الضعف الفلسطيني في خدمة الترتيبات الأمنية الخاصة بتعزيز انتصاره على الساحة الدولية ؟!
و اليوم, بعد كل تلك المواجهات العسكرية وكل تلك الأحلاف الدولية وكل تلك الجهود " الشرعية " السلمية, ها نحن مكشوفون ، كما كنا منذ خمسين سنة ، خلف خدعة سينمائية اسمها الوطن, وخدعة أخرى اسمها السلطة الوطنية, وخدعة اسمها الحكومة, وعلى نفس الأرض المحتلة بلا سيادة ولا استقلال ولا قرار .
قد يغضب هذا الكلام بعض الناس لكني وبكل الصدق أسأل هؤلاء
أي شئ غير الخدعة يمكن أن نصف به " وطن " ،" وسلطة " وحكومة, تعجز جميعها عن اتخاذ قرار يجمع شمل العائلات المشتتة أو تعجز عن اتخاذ قرار بفتح المعابر المغلقة أو تعجز عن اتخاذ قرار " سيادي " بالتصدي للطائرات المعادية المغيرة أو الدبابات و الجرافات المتقدمة ؟!
وسوف لن ننجح "واتمنى ان يخيب ظني"إذا ما استمرت محاولاتنا للدخول إلى هذا العصر قائمة على استخدام وسائله و أدواته, ليس ذلك لأنها وسائل عاجزة لكن لأن وجودنا نفسه يفتقر في تكوينه القائم ، سياسيا و اقتصاديا واجتماعيا وكما كان منذ عقود ، إلى الكثير من مقومات الوجودالمعاصر.. السيادة الحقيقية و الاستقلال الحقيقي .. بل سوف تستثمر الشرعية الأمريكية الإسرائيلية حاجتنا إلى هذه المقومات إلى أبعد مدى ، سوف يجتهدون لكي تظل هذه المقومات بعيدة المنال ودونها الهلاك حتى نقبل أن تظل أرضنا ، كما هي اليوم ، خارطة مفتوحة لترتيباتهم الأمنية و أن تكون سيادتنا ، كما هي اليوم مجرد شكل فقط بلون العلم والنشيد ، و أن يكون استقلالنا المأمول مفرغا من مضامينه الوطنية الخصوصية .
لكننا قد ننجح إذا استخدمنا وسائل أخرى بدائية غير عصرية تتفق مع طبيعة وجودنا الذي صادر العدوان منه أهم أسباب المعاصرة الأرض السيادة والاستقلال .. أليس في استخدامنا للحجر يوما ما دليلا على أن بالإمكان, بوسائل بدائية, مواجهة أحدث وسائل العصر و الانتصار بها على عوائق الاستقلال و السيادة ؟
لقد نادى قادتنا طويلا ( باستقلال القرار الفلسطيني ) دون أن يعلموا أن أحدا مهما علا شأنه لا يستطيع أن ينفذ قرارا على واقع لا يملك السيادة عليه!! حتى جاءت الانتفاضة لتؤكد بالحجر وعلى الأرض الوطنية أن بالإمكان التمرد و الثورة على عوائق السيادة و الاستقلال .
لقد كان استخدام الحجر في الانتفاضة إحياء " حداثي " إن جاز التعبير لتجربة غابرة انتصر فيها الإنسان القديم على وسائل وحشية توازي ، في تفوقها على عزلته آنذاك ، تفوق وسائل العصر العدوانية على عزلة الفلسطيني في نهاية القرن العشرين .. نحن لا نقارن هنا بين من بادوا ومن عاشوا لكن نؤكد في هذا السياق على, أن التجربة الفلسطينية إنما هي ، برغم كل ما تطورت أو وصلت إليه اليوم إن كان في أشكال البناء والعمران أو السياسة والاجتماع ، تظل مأساة فريدة من نوعها تختصر وتلخص في عمقها وفي حجمها كل المدى الزمني الذي قطعته البشرية منذ العصر الحجري وحتى عصر الصواريخ ، إنها التجربة الأكثر تأكيدا في هذا العصر على أن البشرية ما تزال ، بكل حضارتها وعلمها الحديث ، لم تفعل شيئا غير أنها استبدلت فقط أنياب الوحش ولم تستبدل عدوانيته بعد
فبينما كان الإنسان البدائي عاريا بدون أزياء أو مؤسسات حضارية يصارع الوحوش بالحجارة, وكان ميدان الصراع طبيعة بريئة تمنحه حرية التنقل والحركة, نجد الفلسطيني اليوم، بكل أزيائه ومؤسساته الحضارية " علم ، نشيد ، سلطة ،حكومه, أمن وطني ، و أجهزة كثيرة لا عد لها " يصارع بنفس الحجارة أنياب أخرى معدنية و أكثر وحشية وقسوة أنتجها ، باسم العلم ، عصر حديث " شرعي " لم يكتف بفض بكارة الطبيعة و العدوان على براءتها فحسب بل وصادر ، باسم السيادة ، ميدان الصراع وقيد ، باسم الأمن ، حرية الحركة .. وليس تجنيا ولا افتراء على هذا العصر أن نقول لو أن في الطبيعة وسائل أخرى أكثر بدائية من الحجارة لأصبح من الجائز الاعتقاد و الحكم بأنه عصر أكثر بدائية من العصور الحجرية .
إذ بماذا يمكن أن نوصف أو نصنف حضارة أو عصر عقد بالعلم بساطة الطبيعة فأنتج من طهارتها القنابل الجرثومية وأنتج من برائتها القنابل الذكية و الكيماوية و النووية ؟! إن الذين يؤكدون وجودهم اليوم في هذا العصر باستخدام الحجر هم في الواقع أكثر انتسابا للحضارة الإنسانية وتمثيلا لها وتعبيرا عنها من الذين يفرضون على العصر و الحضارة وحشيتهم باسم العلم و المعاصرة .
من هنا أدعو الفلسطيني الذي يعلن عن وجوده باستخدام الحجر إلى تطوير علاقته بكل أشياء الطبيعة الأخرى بطريقة تجعلها أكثر طواعية واستجابة لتحقيق وتأكيد ذلك الوجود .. وينبغي أيضا ، لكي ننجح ، أن نكف عن ذلك اللغو وذلك الكلام الذي لا يفعل غير أن يؤجج فينا"اليوم" الصراع حول مسميات يستهوينا وقعها " الشرعي " المعاصر بينما لم تُرجِع لنا طوال عقود غائبا ولم تفتح لنا مغلقا ولم تطلق لنا أسيرا .

الأرشيف

الإحصائيات