الوطنية .. تضحية بقلم محمد أحمد عزوز

.
الوطنية .. تضحية

الوطنية ليست سلعة تباع أو تشترى، وليست كلمة تقال باللسان، ولا أمنية يتمناها الإنسان، بل إنها عمل بالجوارح، كما الإيمان ليس بالتمني بل ما وقر في القلب وصدقه العمل، فكم رأينا من أناس يتحدثون عن الوطنية ليلاً ونهاراً، ويخيل إلينا من كثرة كلامهم عن حب الوطن أنهم وطنيون، ويحبون وطنهم، وعندهم استعداد أن يضحوا بالغالي والنفيس من أجله، وفي حقيقة الأمر هم بعيدين كل البعد عن الوطنية، بل لا أبالغ إذا قلت إنهم لا يعرفون عنها شيئاً.
كم رأينا وسمعنا عن أناس يتشدقون بالوطنية، ونجدهم كالأسود المفترسة عندما وقوفهم أمام معارضيهم في الرأي، ويتهمونهم بعدم الوطنية، بل إن كثيراً منهم أبعد ما يكون عن الوطنية، والتحق بالحزب الحاكم لكي يحصل على ما ليس من حقه، بل وصل الأمر ببعضهم أنه كان لا يملك إلا قوت يومه، وأصبح في أيام معدودة من التحاقه بالحزب رجل أعمال يشار إليه بالبنان، بل لا أبالغ إذا قلت إن هناك أناساً كانوا معروفين بالفساد والبلطجة والمتاجرة بالمخدرات، التحقوا بالحزب لكي يسهل لهم ممارسة هذه الأمور، الخارجة عن القانون، بحرية تامة، لأنه في كثير من الدول العربية، غير الديمقراطية، من يحمل «كارنيه» الحزب الحاكم، يكون خطاً أحمر، لا يستطيع أحد من المسؤولين الاقتراب منه أو مساءلته.
الوطنية كلمة جميلة تحمل في طياتها معاني سامية، من علم معناها ومغزاها تمسك بها وعمل لها، فحب الوطن شيء جميل فطرت عليه كل الكائنات الحية، فضلاً عن الإنسان، الذي هو أفضل المخلوقات على ظهر الأرض.
لم ولن أنكر أن هناك أناساً وطنيين، يحبون وطنهم، ويضحون بالغالي والنفيس من أجل رفعته، بل إنهم يواصلون الليل بالنهار من أجل أمنه واستقراره، منهم من هو ظاهر للعيان، ومنهم من يعمل كالجندي المجهول لا يعلم عنه أحد شيئاً.
العمل كما يقال في المثل المصري المشهور: «العمل عباده»، وهو من صميم الوطنية، فكل إنسان يقوم بعمله ويؤديه على الوجه الصحيح، بإتقان وحب وتفانٍ، هو محب لوطنه، ويعمل على الارتقاء به، لأن كل إنسان في محل عمله جندي في خدمة وطنه.
كل المهن الموجودة على الأرض، من أدناها إلى أعلاها، ومن أحقرها إلى أعظمها، في خدمة الإنسان ورفعته، وكل المهن مكملة لبعضها، والكل يحتاج للكل، فلا يستطيع إنسان أن يعيش دون الآخر، أو يستغني عنه، لأنه من حكمة الله تعالى في خلقه أن جعل لكل مجموعة من الناس مهنة يمارسونها، مختلفة عن مهنة المجموعة الأخرى، وكل مجموعة محتاجة للأخرى، أي أنهم في نهاية المطاف مكملون لبعضهم، ولن تكتمل الدائرة إلا بوجود كل المجموعات.
بعض الناس لا يؤدون عملهم على الوجه الصحيح، ظناً منهم بأنها «نصاحة» أو «خفة» أو «فهلوة» وهي في الحقيقة سرقة، وانعدام ضمير، وكره للوطن الذي نشأوا فيه، وتربوا على أرضه، والتحفوا بسمائه، ولو أن الإنسان أحب وطنه لقام بأداء عمله على أكمل وجه.
كم أعجبني كثيراً ما حدث في اليابان، من جراء إعصار فوكوشيما، رغم أنه كان كارثة، بكل ما تحمله الكلمة من معاني، عندما رأيت التحام المواطنين ومحاولتهم مساعدة السلطات للنهوض بوطنهم، ليعود أفضل من السابق، رأيناهم يشد بعضهم أزر بعض، لم ينتظروا السلطات المسؤولة للقيام بذلك، بل كانوا يمدون يد العون لإخوانهم، محاولين إنقاذهم، وتأهيلهم للعودة إلى حياتهم الطبيعية.
إن حكام الدول الثائرة، بعيدين كل البعد عن الوطنية، التي كانوا يتشدقون بها، وصدعوا أدمغتنا بها، وما رأيناه في الانتفاضات، يدل على ذلك، فقد استعانوا بالشرطة والجيش لقتل أبناء شعوبهم، بل زاد الطين بلة عندما استعان مجنون ليبيا بالمرتزقة من الدول المجاورة وخاصة يهود الفلاشا، الذين لا يعرفون شيئاً عن الإنسانية، بل لا أبالغ إن قلت إنهم كالحيوانات لا يعرفون كيف يتعاملون مع البشر.
أما في سوريا، عندما لم تفلح الشرطة والجيش في قمع المتظاهرين، استعان النظام القمعي بحزب الله اللبناني، وخبراء من الجيش الإيراني، لقمع أبناء وطنه المسالمين، الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بحقوقهم المشروعة.
في كل الثورات، ستنتصر الشعوب لا محالة، مهما أبى الحكام ذلك، ومهما طال أمد الثورات، سيهزم الحكام، مهما استعانوا بمرتزقة، ومهما استخدموا من قوة، ومهما صرفوا من أموال منهوبة لقتل مواطنيهم، والتاريخ خير شاهد.
في كل الدول التي ثار أبناؤها، لو كان عند حكامها ذرة من الوطنية، لقاموا بإصلاحات عاجلة وفورية، وإذا لم يكن بمقدورهم، لانسحبوا فوراً من المشهد السياسي، وتنازلوا عن الحكم، وتركوا الشعب يقرر مصيره، نزولاً عند رغبة مواطنيهم، لكي يسجل لهم التاريخ هذه الموقف العظيم بحروف من نور على صفحاته الخالدة، ولكن عدم الوطنية، والبلادة، وحب النفس، وخيانة الوطن، جعلتهم يلقوا بأسمائهم في مزبلة التاريخ، لن تذكر إلا مصحوبة باللعنات.
وفق الله الدول العربية حكاماً ومحكومين، وأصلح حالها، وكتب لها السلامة والأمان.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

محمد أحمد عزوز
كاتب مصري

الأرشيف

الإحصائيات