رسالة إلى جفرا بعد موتنا بقلم مراد فضيلات

.
رسالة إلى جفرا بعد موتنا

كانَ مِنَ الأجْدَرِ بي يا "جفرا" أنْ أوَاجهَ فكْرَةَ المَوْتِ بصَلابَةِ مُقَاتلٍ تَفْصلُهُ عَنِ المَوْتِ زلَّةُ القَدَرِ أو خُطْوَةٌ عَابثَةٌ أمَامَ المِتْرَاسِ , نَعَم كانَ مِنَ الأجْدَرِ بي أنْ أوَاجهَ فكْرَةَ المَوْتِ , لا أنْ أتَشبَّثَ بالحَياةِ كَطفْلٍ مُصَابٍ باللوكيميا و قَدْ شَارَفَ على بُلوْغِ العَدَمِ , كانَ عليَّ يا "جفرا" أنْ أكوْنَ فلسْطيْنياً أكْثَرَ مِنْ أيِّ وَقْتٍ مَضَى و أتَابعَ المَيسْرَ إليْكِ بثَباتٍ و اتِّزَانٍ .

أعْلَمُ يا "جفرا" أنَّكِ تَرَكْتِ لي سراً مِفْتَاحَ البَابِ الخَلْفيِّ لبَيْتكِ الفَسيْحِ بكِ , لكَي أبْصِرَ نُوْرَكِ في ظُلْمَةِ الحَيِّ القَديْمِ , و ها أنا في كُلِّ لَيْلَةٍ أتَسَلَّلُ إليْكِ كاللِّصِ على أطْرَافِ أصَابعي , أتَقدَّمُ بهُدوْءِ لاعبِ اليَوْغَا و أتَحسَّسُ نَبْضَكِ مَنْثُوْراً هُنَاكَ على لَوْحَةٍ تَرْسُميْنَهَا بَيْنِ حيْنٍ و آخرَ .

و أعْلَمُ يا "جفرا" أنَّكِ مَعْزُوْلَةٌ قَسْراً عَنْ حَرْفي , عَنْ كُلِّ خَفْقَةٍ أضْرِمُهَا على وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ , عَنْ صَوْتي المَعْجوْن بمِدَاديَ المَجْنوْنَ , عَنْ شَوْقي إليْكِ و إليْكِ و إليَّ بكِ .

و أعْلَمُ أيْضاً يا "جفرا" أنَّ جُنوْدَ "هرتزل" قَدْ مَنَحُوا أحَدَ الأطْفَالِ شَارَاتِ النُبوْءةِ ليَكوْنَ مُمَثلاً لله على الأرْضِ , حتّى إذا مَا جَاءَ يَوْمُ الحسَابِ , رَجَمُوْنَا – أنا و أنْتِ - بالحجَارةِ و الذكْرَياتِ , و برَوائحِ القُبَلِ التي لازالَت تَغْفُو على شفَاهنَا و بأصَابعي التي لَمْ تَزَل تَلْهُو بَيْنَ خصْلاتِ شَعْركِ و بقُصَاصَاتِ الوَرَقِ التي كَتَبْتُهَا إليْكِ .

قَدْ مَنَحُوْهُ شَارَاتِ النُبوْءةِ يا "جفرا" نكَايَةً بالله و بالأنْبيَاءِ , نكَايَةٍ بي و بكِ و بالحُبِّ الذي يَجْمَعُنا على شُرْفَةٍ تُطلُّ على المَوْتِ .

لكنَّ نُبوْءةَ هذا الطفْلِ أوْ ألوْهيَّتهِ الهَشَّةِ لا تَسْتَطيْعُ أنْ تَكْسرَ مَلامحَنا و صُوْرَتَنا المَغْموْسَةِ بمَاءِ القَلْبِ الطَاهرِ و المَنْقُوْشَةِ كالوَشْمِ على بَطْنِ السَّمَاءِ كمُعْجزَةٍ , لا تَسْتَطيْعُ أنْ تَكْسرَهَا , لا تَسْتَطيْعُ !

أظنُّ يا "جفرا" أنًّ عَليْنَا أنْ نَزيْدَ على مَوْتنَا مَوْتاً أخراً و أنْ نُوْغِلَ في طَريْقٍ يُؤدي إلى جَهنَّم التي وَعَدُوْنَا بهَا , علَّ احْترَاقَنا يَصْنَعُ مِنْ رَمادِ الخَليْقَةِ بابلاً أو ظلَّ نَبيِّ .

لا أريْدُ يا "جفرا" أنْ أكوْنَ سَبباً في إيْلامكِ , فالرَّسَالةُ هذهِ كُتبَت على عَجَلٍ و لَسْتُ أدْري لمَِ كَتَبْتُهَا رَغْمَ يَقيْني المُطْلَقِ بأنّهَا سَتضلُّ طَريْقهَا إليْكِ , و لَنْ تَعْبُري سُطُوْرَهَا بأبْصَاركِ يَوْماً , لكنِّي كَتَبْتُهَا مُجْبراً , فالحَاجَةُ مُلحَّةٌ إلى أنْ نَكوْنَ سَوياً كمَا كُنَّا قَبْلَ المَوْتِ .


كُنْتُ أتَسَاءلُ يا "جفرا" حيْنَ كَتَبْتُ هذهِ الرِّسَالَةَ ,,

كَيْفَ يَكْتُبُ مَيِّتٌ مَوْتَهُ ,,؟! و كَيْفَ لهُ أنْ يَكوْنَ أكْثَرَ سَذاجَةً و أنْ يُرْسلَ ما خطَّ إلى مَيِّتَةٍ ,, كَيْفَ لَهُ ,,؟!

لكنَّ الأسْئلَةَ كانَت تَتَأرْجَحُ على السِّرَاطِ كَمَا أنا و ما تَلْبَثُ و أنْ تَسْقُطَ مِنْ أفْكَاري إلى أخْدُوْدٍ تَلْسَعُهُ النَّارُ الجَائعَةُ إلى الوَقوْدِ , فتَحْتَرقُ أمَاميَ بلا رَغْبَةٍ في الحَياةِ أو عَقْدِ القرَانِ على الإجَابَاتِ .

مراد فضيلات
04/07/2011

الأرشيف

الإحصائيات