السوشى بقلم ريم أبو الفضل

.
السوشى


منذ سنتين أو ثلاث شاهدت برامج دعائية ووثائقية عن السوشى، ولمن لا يعرفه فهو أكلة من السمك النيئ ابتدعتها اليابان

كان أحد هذه البرامج فى إطار تبادل الثقافات، أو كنوع من الثقافة التعريفية بين اليابان وفرنسا فى مهرجان كبير اشترك البلدان فيه بأمهر الطهاة ليقدموا طعاما فرنسيا وآخر يابانيا

وظللت أتابع تاريخ هذا السوشى ومسيرته خاصة بعدما علمت بمكونه، وقد عجبت من إصرار اليابان على إقناع العالم بأكمله بالسوشى رغم أنه غير شهى على الإطلاق.. فهو سمك نيئ مغلف بنوع من الطحالب يؤكل مع الأرز الذى يضاف إليه الخل لقتل الميكروبات الموجودة بالسمك

ولم أتوقع أبدا نجاح السوشى وصدارته على الموائد الفخمة ، ولكن يبدو أن الإيمان بهدف مهما كانت دوافعه يدفع صاحبه للنجاح.. إن لم يكن التميز

استماتت دول شرق أسيا وعلى رأسهم اليابان فى نشر ثقافتها علاوة على الصناعة والتجارة ، وقد نجحت ..وأصبح السوشى طعاما مشهورا تتبارى المطاعم فى تقديمه ، ويُقدم الزبائن على تناوله ، وأعتقد أن إقبالهم بدعوى التحضر والتماشى مع طعام العصر العالمى.. وقد تجدهم يبتلعون حسرتهم مع "سوشيهم " حتى لا يُتهموا بالتخلف

لم تكتف اليابان والصين بأنهما أصبحا عملاقى الصناعة، وأصبحت الصين تورد لنا حتى حلوى الأطفال..إلا إنهما يصران على أن نستبدل طعامنا بالسوشى الكريه، وحتى وإن لم نستسغ طعمه فأخذوا يعددون لنا فوائده التى يمكن أن تكون موجودة فى نفس السمك المطهو

ولا يختلف فرض اليابان للسوشى عن فرض الولايات المتحدة الأمريكية للحلوى الشهيرة "الآبل باى" فطيرة التفاح و التى لا ترقى لأقل صنف حلوى لدينا، ولكنه تفكير اقتصادى لتصريف إنتاج أمريكا الأول من التفاح وتواجد قسرى لأمريكا وثقافتها ولو ...طاولة الطعام

ورغم أننى لا أتيه زهوا بالحضارة الفرعونية كما يفعل البعض، ويتحدث عنها راكنا لها، ناسيا الحاضر، متجاهلا المستقبل.. إلا أن حتى الثقافة الفرعونية تحدثت عن الطعام بشكل كان أكثر حضارة من يومنا هذا
فمثلا تصور الثقافة الفرعونية "حابي أبو الأرباب"؛ في هيئة رجل ذي بطن ممتلئة ويطلى باللون الأسود أو الأزرق، ويرمز إلى الخصب الذي منحه النيل لمصر

كما كان حابي يصور حاملا دواجن، وخضراوات وفاكهة؛ إلى جانب سعفة نخيل، رمزا للسنين، ومع ذلك فلم نجد مثلا مطعما يضع صورة حابى فى رمز، أو إشارة لحضارتنا العريقة

وما دعانى للكتابة عن السوشى هو خبر قرأته منذ فترة عن تصدير إسرائيل للطعمية على أساس أنها أكلة إسرائيلية.
 لم تكتف إسرائيل باغتصاب الأرض، ونهب الوطن.. بل تسرق التراث، وتنسب التاريخ لنفسها، تبحث عن أى ثقافة لها فلا تجد غير العنف والإرهاب، تبحث عن أى تراث فلا تجد غير العدوان ، فلا تستحى فى أن تنسب تراث حتى ولو بسيط  لنفسها

وما يزيد هذا الاستفزاز هو صمت صاحب الحق، فلم نتحرك ولو حتى بإعلان الغضب، أو الشجب عندما تنهب الحقوق.. بل وبكل تسامح أو تساهل نفرط  فى النفيس والرخيص ..فيم صنعناه..وفيم صنعه السابقون

لم تنهض جهة ولا مسؤول ولا شيف ولا ذواقة ليعلن... اتركوا تراثنا.. فلم يتبق لنا شيئا

برغم بساطة خبر سرقة الطعمية.. إلا أن مدلولها كبير

فعلى المستوى البسيط

 لم ينتفض فرد بسيط ليقول.. إن الطعمية أكلة مصرية أتناولها منذ خمسين عاما، وربما أكثر من مرة فى اليوم حتى شكلت جسدى، وحفرت ملامحى

لم يعترض مصرى من 80 مليون على أشهر أكلة شعبية فى مصر، من جانب الوطنية حتى ينفى عن نفسه عارا بأنه يتناول يوميا أكلة إسرائيلية

اليابان تعقد المهرجانات وتعلن فى المحافل عن السوشى حتى تجعل لنفسها معلما فى كل مجال، ونحن نفرط فى تراثنا ومعالمنا وحقوقنا

لماذا تحاول أن تصنع لنفسها تراثا، ونتخلى نحن عن أى تراث، بل واليوم نجد من يدعو للتفريط فى حقوق شعب على مدار سنين بدعوى التسامح وغيرها من المصطلحات التى ليس لها غير مترادف السذاجة

المكان التى تتصدره اليابان على الخارطة الدولية اليوم لم تنتزعه إلا عن تصميم، وعمل، ووعى...والمكانة التى تخلت عنها مصر من قبل.. وتحاول اليوم استعادتها لن تتم إلا بنفس التصميم، والعمل، والوعى

البون شاسع بين من يصر على أن يصنع لنفس مكانا وكيانا، ومن يفرط فى كيانه، ومكانه

الدافع الذى يجعل اليابان تصمم على أن تقنع العالم كله بالسوشى هو ما جعلها ..اليابان
وهو ما جعل أمريكا.. القوة العظمى
و غيابه هو ما جعلنا نصمت على سرقة إسرائيل لأكلة الطعمية واستباحتها لسرقة كل تراث، وأرض وثقافة.. مما جعل مصر بكل حضارتها ترتد عن مكانتها، وتتخلى عن صدارتها
وهو نفسه ما جعل هذا الكائن السرطانى يتقدم مزاحما الدول الكبرى

على كل الأصعدة نحن نفرط فى تراثنا، حضارتنا، ثقافتنا، نستبدل الغث بالثمين

نتخلى عن تاريخ  ونستورد واقعاً ممن لا يملكون أى حضارة

كمن باع  سنينا بيومٍ ليس له غد

كان فكرة السوشى ،وفطيرة التفاح الأميركية هى اختزال لفكرة فرض الثقافة والتغلغل التراثى، وإصرار الدول الكبرى لفرض نفسها ، وإثبات تواجدها

فعندما يُطمس  التاريخ
ويُسرق التراث
ويُمزق الماضى
ويُموّه الحاضر

فماذا ننتظر من المستقبل؟؟

لكى نبنى مستقبل.. لابد أن نقرأ الماضى.. ونكتب الحاضر على أروقة التاريخ

هذا حتى لا ننسى التاريخ إذا ما وقعنا من ذاكرته ))

ريم أبو الفضل
reemelmasry2000@yahoo.com




الأرشيف

الإحصائيات