عازف الناى بقلم طلعت زيدان

.
عازف الناى >>>>>> قصة قصيرة ل/ طلعت زيدان
طلعت زيدان

كنا فى طفولتنا نتجمع قربه ، عند حافة النهر المار بقريتنا الصغيرة
كان ما يشدنا هو أنين نايه العذب المستساغ لدينا كثيرا
كان الناس يتهمونه بالجنون ، وبأن هناك جنية تلهمه اللحن الذى يترنم به نايه تقريبا كل يوم
كانت همسات الناى تتبعنى حتى أصل الى بيتى ، والدتى كم حذرتنى هذا الرجل ، قالت يا بنى هو ساحر ، واذا لمحتك جنيته ستقبض عليك لتتحول مثله مجنونا ، وتعطيك نايها وتصيبك لعنتها
كنت أغمض عينى حالما بمقالة أمى
وأقرر قبل نومى ألا أمر من هذا الطريق ثانية
حتى اذا غزت أشعة الشمس صفحة النهر فى اليوم التالى وجدتنى منتفضا نحو النهر
أترقب مجيئه
حتى كان يوما لمحنى فيه خلف شجرة الصفصاف راقدا كعصفور صغير فى انتظار طعامه، أمسك بى ،
نهرنى دون أن يتكلم لكن القسوة كانت تحكم ملامحه
قلت له أنا لن أؤذيك
فقط جئت أمتع نفسى بما تفعل
أفلتنى رويدا رويدا ثم منحنى ابتسامة غامضة وأشار إلى نايه
أمسكت الناى فى محاولة لاصدار صوت لكننى أخفقت
كان يراقبنى ويضحك
مضيت هذه المرة الى البيت سعيدا لأنه بهذا كان قد هون الأمر ويسّر سماعى لعزفه من خلف صفصافتى
كنت أجلس بجواره مستمعا أسرح بصرى نحو ضفة النهر المقابلة
مع الصيادين مرة ، ومرة أخرى متابعا موجة تصافح أختها
مرت عقود ثلاث، سافرت طلبا للرزق عقدين كاملين ، عدت أخيرا بعد غربتى الطويلة الى قريتى أتطلع ملامحها القديمة ، أطرق ذاكرتى التى علاها التراب والصدأ ، فى محاولة للربط بين ما أراه الآن وما سجلته فى الذاكرة بآخر مشهد من ثلاثين عاما
ثلاثون عاما ربحت فيها مالا  وافرا خسرت فيها أبى وأمى ، كانا قد توفيا ، أما اخوتى اخوتى فقد تركوا البيت الكبير واستقل كل منهم ببيته الخاص ، الطريق تم رصفه ، المنازل تغيرت معالمها للأحدث ، الكثيرون لم أتعرف الى ملامحهم ......
بيتنا القديم بقيت به بعض الجدران المتآكلة التى قاومت الموت
نعم نعم أستطيع أن أتعرف الى حجرتى الصغيرة ، هنا كنا نجتمع للطعام ، هناك كانت أمى تطبخ
فى الممر كان والدى يجلس أثناء حرارة الصيف ، حيث تيار النسيم القادم عبر النهر
النهر؟؟!! نعم تذكرت شيئا هاما !!
صديقى عازف الناى ،، أين ؟؟
أجابونى بأنه مات من عشرين عاما ، عثروا عليه بعد أربعة أيام كاملة من وفاته ، لم تكن له زوجة وأبناء أو أقارب
أكلت المفاجأة من دمى وقلبى
طرت الى حيث كان يرقد عند النهر ، كان كل شىء كما تركته ما عدا الصفصافة ، كانت قد شاخت فقطعوها تاركين الجذور ثم نمت وشاخت بدورها
آآآآآآآآه ،،،، مر دهر ....كبرت وراحت مظاهر الشباب ،، اشتعل الرأس شيبا
مسكين ايها الرجل ...عشت وحيدا ، ومت وحيدا
اليوم التالى وجدت بنفسى الرغبة الملحة لشراء ناى !!!
اخذته ناحية النهر ، وفى نفس المكان هيأت لنفسى مجلسا ، تذكرت حديث أمى حين قالت :يا بنى هو ساحر ، واذا لمحتك جنيته ستقبض عليك لتتحول مثله مجنونا ، وتعطيك نايها وتصيب لعنتها
علت شفتى ابتسامة ممزقة حين تذكرتها
أمسكت الناى فى محاولة لاصدار صوت ذى معنى مفهوم
خرجت أصوات نافرة لا تستقر بوجدانى ، صرخت كطفل صغير : لقد أخفقت من جديد ، خلت اننى قد سمعت ضحكات الرجل تماما  مثل تلك التى ضحكها حين أخفقت من ثلاثين عاما فى استعمال الناى
سكتُّ عن النفخ فى الناى مرتجفا
تذكرت كلام أمى مجددا
هممت للهروب نحو البيت قررت أن أودع المكان نهائيا كانت دمائى قد تهادت على ظهر موجة النهر الرقيقة المسافرة لتصافح أختها ...
بينما  كان من خلفى صوت نايه ينطلق بقوة عبر أذنى وفمى و أنفى محاولا أن يقاوم  تآكل الذاكرة !!

الأرشيف

الإحصائيات