شيخ الأزهر حسن بن محمد العطار في البانيا( شكودرا)

.
إعداد:د\احمد عبد الباقي النقيره
دكتوراه فلسفة التاريخ والحضارة الاسلاميه
                                                                                              
شيخ الأزهر حسن بن محمد العطار في البانيا( شكودرا)                                   
                   
 "إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها ،ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها "
حسن العطار

في البداية أريد أن نتعرف على منصب شيخ الأزهر ،خلال الفترة الأولى من تاريخ الأزهر كان الإشراف على شئونه يرد في الغالب إلى ولى الأمر سواء مباشرة أو بطريق غير مباشر فما تعلق بإصلاحه وعمارته والإنفاق عليه يرجع أمره إلى الخلفاء أو من يختارون لذلك من الأمراء والوزراء وما تعلق بشئون الصلاة فيرجع إلى الخطيب والى عدد من الأئمة والقومة والمؤذنين وكان الخطيب فى الواقع هو الرئيس الدينى وهو الذى يتولى الخطابة فى الصلوات والحفلات الدينية والرسمية بين يدى الخليفة أو نائبه ويدير شئون المسجد الدينية بوجه عام.(1)
    ويرى بعض المؤرخين أن منصب شيخ الأزهر استعمل في منتصف القرن السابع عشر الميلادى ،وقد انشىء هذا المنصب فى عهد الحكم العثمانى ليتولى رئاسة علمائه ويشرف على شئونه الإدارية ويحافظ على الأمن والنظام بالأزهر(2)
    وما زال هذا النظام قائما بالجامع الأزهر إلى يومنا هذا ،حيث يقوم شيخ الأزهر بالرياسة الدينية والاداريه.
    وكان لشيخ الأزهر وعلمائه نفوذ خاص وقد بلغ هذا النفوذ فيما بعد مبلغ الرياسة والزعامة في أواخر القرن الثالث الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي)ولاسيما وقت مقدم الحملة الفرنسية حيث كان لشيوخ الأزهر رأى بارز في معظم الحوادث والشئون الداخلية.
    وكان شيخنا ممن عاصر الحملة الفرنسية وتعامل معها بشكل مختلف ،ألا وهو الجانب الثقافي ،فتأثر بالثقافة التي شهدها لدى الفرنسيين ؛حيث قال عندما شاهد الحملة الفرنسية:إن بلادنا لابد وان تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ماليس فيها ،ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم.
    يعتبر الشيخ العطار مصلحا في مصاف جمال الدين الافغانى والشيخ محمد عبده وكان ثائرا لتطوير الأزهر لدرجه أثرت في تلاميذه من بعده فقد سبق الكثير من المصلحين للأزهر ووضع بذرة الإصلاح الثقافي في عهده لتتلقفها الأجيال من بعده وكان من تلاميذه رفاعة الطهطاوي .(3)
    ويرجع أصل شيخنا إلى بلاد المغرب_من الأمور الملاحظةان جميع من تولى مشيخة الأزهر من مصر ما عدا الشيخ حسن العطار الذي تولى المشيخة سنة 1830 وهو من أصل مغربى وقد ولد ونشا فى مصر وكذلك الشيخ محمد الخضر حسين المتوفى سنة 1958,فهو تونسى الأصل ومن الطريف أن كلاهما زار ألبانيا_وهو الشيخ السادس عشر من شيوخ الجامع الأزهر .
    نشا الشيخ العطار في ظل والده الشيخ محمد كتن ،الذى كان يعمل عطارا وكان يساعد والده فى بعض شئون عطارته ،ولشدة ذكائه كان يميل إلى التعلم وتأخذه الغيرة عند رؤية أترابه يترددون إلى الكتاتيب ،فكان يتردد إلى الجامع الأزهر خفية عن أبيه حتى حفظ القران في مدة يسيرة فلما اطلع أبوه على ذلك سر به وتركه وشانه وساعده عل طلب العلم .
    تعلم الشيخ العطار على كبار المشايخ كان من أبرزهم:الشيخ محمد الصبان ،والشيخ احمد بن يونس , والشيخ عبد الرحمن المغربي ,والشيخ احمد السجاعى ,والشيخ احمد العروسى ,والشيخ عبد الله الشرقاوى , والشيخ محمد الشنوانى , والشيخ عبد الله سويدان وغير هؤلاء من السادة الشافعية واما من السادة المالكية :فالشيخ محمد الأمير والشيخ محمد عرفه الدسوقي والشيخ احمد برغوث, والشيخ البيلى وغيرهم.
    ومما يحسب للشيخ انه لم يقف عند علم مشايخ الأزهر بل امتد إلى ابعد من ذلك حيث لم يترك موردا متاحا إلا ورده ويؤكد ذلك قوله"وقد يسر الله لى حين سياحتى فى الديار الرومية والشامية والحجازية ,فرأيت جهابذة فضلاء وأساتذة نبلاء ...أخذت عنهم بعضا من العلوم"
    وعند ما احتل الفرنسيون مصر غادر الشيخ القاهرة إلى صعيد مصر ولكنه عاد مرة أخرى إلى القاهرة حينما علم إن مع الفرنسيين علماء مهرة , وقد اختلط بهؤلاء العلماء واخذ عنهم بعض العلوم النافعة.
    ولغير سبب معروف خرج من مصر فارا إلى البلاد الرومية سنة 1217ه-1802م مستصحبا بعض كتبه ،ولعل الحوادث التى أعقبت خروج الفرنسيين من مصر قد أرغمته على الفرار من البلاد إلى بلاد الروم وأقام هناك مدة طويلة وسكن بلد شكودرا من بلاد الارنؤد(ألبانيا) وتزوج بها وأنجب ولكن ليس لدينا معلومات عن عقبه في ألبانيا(4)
    وفى سنة 1810م دخل بلاد الشام قادما من بلاد الروم والتمس منه أهل العلم في دمشق قراءة شرح الأزهرية ففعل ذلك رجاء نفعهم ,وكان من تلامذته هناك الشيخ حسن البيطار ,وأقام العطار بالشام خمس سنين ثم عاد إلى مصر سنة 1815م بعد أن غاب عنها ثلاثة عشر عاما قضاها في التجوال .
    وفى سنة 1246ه-1830م تولى الشيخ حسن العطار مشيخة الأزهر بعد الشيخ احمد الدمهوجى ,وظل فى منصبه إلى أن توفى سنة 1835م(5)
    وكان له اتصال خاص بسامى باشا وأخويه باقى بيك وخير الله بيك وبواسطتهم كان يجتمع على محمد على باشا ,فيجله ويعظمه ويعرف فضله .
    مما سبق يتبين لنا أن الشيخ كان كثير الترحال ومما يحمد له انه ما كان ليسافر دون أن يستصحب الكتب فى سفره ويذكر لنا فى مقدمة حاشيته على شرح الأزهرية للشيخ خالد انه لما خرج من مصر إلى بلاد الروم استصحب مسودة هذا الكتاب وغيرها من بعض كتبه ولم يكن العطار يكتفى بقراءة الكتب التى تقع فى يده ,بل كثيرا ما كان يطرز هوامشها بتعليقاته وكتاباته(6)
    وارتقى العطار مكانة متميزة بين اقرانه من أهل العلم وصفها ابن البيطار عندما ترجم لشيخنا قائلا:"أهل عصره قد دار أمرهم في علومهم عليه ,فهو فرد المعارف والعوارف وكعبة حرم اللطائف لكل طائف ,به جمال محيا العلم قد ازدهى ,واليه كمال الفهم قد انتهى ،فلله دره من همام قد ارتقى سماء الفضائل ،وانتقى لنفسه أحسن الخصال والشمائل ....ولقد انفرد في علم الأدب وأجاد فيما نظم ونثر وأحاطت به الفنون إحاطة الهالة بالقمر وكان مقره بالجامع الأزهر والمقام الانور"(7)
    وكان للشيخ العطار مشاركة فى علوم (الطب والرياضة وعلم الهيئة)حتى فى العلوم الجغرافية فله هوامش جليلة على كتاب تقويم البلدان لإسماعيل أبى الفدا .
    ذكر تلميذه رفاعة الطهطاوى أن :للشيخ هوامش على كتب طبقات الأطباء وغيرها وكان يطلع دائما على الكتب المعربة وغيرها وله ولوع بسائر المعارف البشرية.(8)
    أما بالنسبة لأهم مصنفاته التي خلفها لنا فنستطيع رصدها من خلال إجازته التي كتبها للشيخ حسن البيطار ،وهى المصنفات التي كتبها حتى سنة 1815م فسقطت بالطبع الكتب التي ألفها بعد ذلك:"أجزته بمالي من التأليف ،التي انتهزت فيها من الدهر فرصة بعد طول تسويف فهي جملة من الرسائل والحواشي والشروح .....فمنها حاشية شرح قواعد الإعراب وحاشية الأزهرية ,وحاشية ألعصام على الوضعية ,وحاشية شرح ايساغوجى ،وحاشية النخبة وحاشية السمرقندى وحاشية السلم وحاشيتان على ولدية المرعشى فى آداب البحث وشرح المنظومة الوضعية وشرح المنظومة التي في آداب البحث وشرح منظومة التشريح وشرح نزهة الشيخ داود في الطب وحاشية شرح إشكال التأسيس في علم الهندسة وحاشية المغنى ...ولنا رسائل عديدة في مسائل متفرقة من علم الحكمة والكلام وغير ذلك...."(9)

    ومع هذا الطرح الذى تناولناه نجد أنفسنا أمام عدة فروض تطرح نفسها:
1-أن شيخنا عاش في اشكودره فتره ليست بالقليلة وتزوج بها فما هى أخبار عقبه بها ,وما هو مصدر معيشته بها هل كان من علمه؟
2-ومن المشهور انه كان فى تلك الفترة باشكودرا مكتبة شهيرة فما هى علاقته بها؟
3-وما علاقته بولاة الأمر فى اشكودره؟
4- ومن خلال ما عرضناه من علاقته بمحمد على هل كانت هناك مراسلات بينه وبين مشايخ مصر؟
5-ماذا عن نتاجه الثقافى ونشاطه فى اشكودره؟
كلها فروض فى حاجه إلى اجابه شافيه فهل نستطيع الحصول على هذه الإجابات من أرشيف المكتبة الوطنية أو أرشيف مكتبة اشكودرا؟
الهوامش:
1-سعاد ماهر, الأزهر اثر وثقافة, ص31
2-الأزهر تاريخه وتطوره,ص320
3-احمد عوف, الأزهر في ألف عام ,ص121
4-على مبارك,الخطط التوفيقية,ج4,ص38
5-محمد عبد الغنى حسن,حسن العطار,ص21
6-المرجع نفسه,ص42
7-عبدالرازق البيطار ,حلية البشر ,ج1,ص489
8-رفاعة الطهطاوى,مناهج الألباب المصرية,ص375,ص376
9-عبد الرازق البيطار ,حلية البشر ,ج1,ص492   
                                                                                                                                        

الأرشيف

الإحصائيات