مظفر النوّاب يعود الى عرينه..!! بقلم شاكر فريد حسن

.
 مظفر النوّاب يعود الى عرينه..!!
   شاكر فريد حسن

مظفر النوّاب الشاعر العراقي المرموق و"الغجري " المتمرد المتميز والمتفرد ، المعروف والمشهور بشتائمه وألفاظه وتعابيره النابية البذيئة ، وكراهيته العمياء لأنظمة القهر والذل والعار، التي بدأت تذبل وتتساقط كأوراق الخريف المتناثرة.هذا الشاعر خطف الأبصار، وسكنت محبته قلوب الثائرين والأحرار والمثقفين والمتأدبين، وقلوب القطاعات الشعبية المقهورة والمنسحقة على امتداد الخاصرة العربية.
وهذا الشاعر المبدع ، لا يهاب ، ولا يساوم، ولا يرتاح،ادمن الشعر في سبيل حبه الجميل ،وغار في ملاحم الثورة والعشق العربي قبساً تتقاسمه نوائب الدهر . فكان شاعر الثورة العربية المغتربة ،التي غنى لها وتنبأ بها ، وانفجرت أخيراً لتدك العروش الرجعية المهترئة التي اكل عليها الدهر وشرب.
ومظفر هو شاعر الجماهير المنصهرة في دمه ،  حمل جراحه فوق كتفه، وعاش في قلب الحدث السياسي ، وترك وطنه وبلده ، بلد الرشيد والنخيل ، ودجلة والفرات، باحثاً عن وطن يعيد اليه ملامحه القديمة . وظلت حياته رحيلاً دائماً بعد أن عانى الملاحقة وتعذيب السجان من قبل النظام الديكتاتوري الاستبدادي في العراق ، وجاء الى سوريا هاتفاً :
اتيت الشام احمل قرط بغداد السبية
بين ايدي الفرس والغلمان
مجروحاً على فرسي من اللهب
قصدت المسجد الاموي لم اعثر على أحد من العرب
فقلت أرى يزيد لعله ندم على قتل الحسين
وجدته ثملاً وجيش الروم في حلب
وهو الصوت الشاعري الغاضب المدوّي ، القريب من الأمل والحلم المطرز بالخلاص والفرح، والمناضل الذي أسكره القمع البوليسي وحوله الى قارورة خمر للشعر العربي الثوري الراديكالي ، وأتانا بالابداع الشعري الجميل في غنائيات للحم المحروق في تل الزعتر ، وللمتألمين المعذبين المتطلعين للحرية في عروس العروبة (القدس)، التي قال فيها مخاطباً أنظمة التخاذل :
القدس عروس عروبتكم
فلماذا ادخلتم كل زناة الليل الى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم
وتنافحتم شرفاً
وصرختم فيها ان تسكت صوناً للعرض
فما أشرفكم !
أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟؟!
ومظفر النواب مسكون بهاجس الكتابة ، مخلص للقصيدة، منغمس في الهم العام الجماعي والقضايا العربية المصيرية .  جاءت أشعاره حارة كالفلفل، جريئة ومتمردة وصادقة ، ترفض الجور والظلم والاستبداد ، وتتمرد على القهر والاضطهاد. وهو بمثابة الطبيب الجراح يشخص الحالة ويكشف مكامن الألم والوجع في الجسد العربي المهترئ بحرارة نادرة ، تجعل أجهزة الأمن العربية يتحسسون بنادقهم ومسدساتهم باستمرار ـ على رأي (غوبلز) وزير الاعلام الهتلري.
واليوم يعود مظفر الى عرينه زائراً ، في طريقه للعلاج ، يملأه الشوق والظمأ لبغداد ، التي لم تغب لحظة واحدة عن عينيه . انه يعود اليها بكل إباء وشموخ ،وبهامة عالية تطاول عنان السماء .
فالتحية اليك يا مظفر النوّاب ، ولتظل قصيدتك سعفة نجدف بها قارب الحب والثورة نحو مرافئ الشمس والمستقبل .

الأرشيف

الإحصائيات