الدار بقلم السيد فهيم

.
الدار  

-    اركض .. اركض يا حازم ... اركض.
صرخت بآخر عزمها في طفلها الذي انفلت من بين يدي الجندي في مراوغة ليطلق لساقيه الدقيقتين العنان ... فإذا بالجندي يرفع فوهة بندقيته ليصوبها نحو الصبي ... صرخت الأم في هلع :
-    ولدي ؟!!
وانقضّت علي ذراع الجندي تقضمها في استماتة ... فدفعها بمؤخرة البندقية في عنف وقسوة ليشج جبهتها ... فسقطت علي الأرض في ألم وقد دارت الدنيا من حولها من هول اللطمة .... بينما استدار الجندي ليبحث مجددا عن الصبي الذي كان قد اختفي بالفعل ... نهضت في إعياء تحاول مسح خيوط الدم المنسابة علي وجهها و هتفت في غضب:
-    ماذا تريدون؟! ... قتلتم الزوج ... واعتلقتم الشبان ... لم يبق لي سوي هذا الصغير ... وتلك الدار .
بترت جملتها بغتة حينما سمعت صوت المحركات التي أخذت في الاقتراب ترج الأرض من تحتها وتطوي الطريق طيا ... و أدركت مطلبهم هذه المرة ... تراجعت في ثبات وإصرار نحو باب الدار ، ووقفت تسد الباب بجسدها الهزيل ... صرخت:
-    لا ... لن تسلبوا الدار... لن تسلبوا الدار أيضا ... أين أذهب أنا والصغير؟ ... لا... لن تطؤوها .
تبدد صوتها وسط ضجة الجرافات التي راحت تحدث صريرا مخيفا وهي تقترب بلا رادع كوحش أسطوري ينتصب في الفراغ مثيرا للفزع متهيئا للانقضاض علي فريسته ... أخذت تدور بعينيها الزائغتين بحثا عن حازم .. ودت لو ضمته في هذه اللحظة إلي صدرها لتحتمي به ... وتحميه ... لكنها لم تجده ... ولم تجد مخلوقا يؤازرها ضد هذا السرب المقتحم من الجرافات والجنود المسلحين ... لم تجد غير صبرها وثباتها ... فاستجمعت فتات شجاعتها ، واستحضرت معية الله ، وتمتمت بالدعاء الذي راح يتردد صداه في أعماقها ... يارب ... يا رب ...
تعلق بصرها بالجرافات التي لازالت تقترب في إصرار .. ازدادت التصاقا بالباب ... صرخت ، لكنها لم تسمع لصراخها صدي ... حتي هي نفسها ، ما عادت تسمع صوتها ... ما عادت تسمع إلا صوت الصرير المخيف ..
توقفت الجرافات علي بعد أمتار قليلة من الدار ... رمقها قائد الجرافة الأقرب لها  بحقد بغيض ... وشماتة قاسية .. ثم جذب الذراع لترتفع الجرافة في حسم كي تهوي بقوة علي جدار الدار ... صرخت مجددا واندفعت نحو الجنود في ثورة وغضب ... دفعوها جانبا ... سقطت علي الأرض ... ركلوها بالأقدام ... سبوّها بأقبح ألفاظ السباب ...بصقوا في وجهها  الذي اختلطت به العبرات بالدماء مع الثري ، فانكفأت مستسلمة للوهن و شعرت كأنها تهوي في بئر سحيق ... تنتظر أن يرتطم جسدها بالقاع الذي لا يأتي أبدا ... شعرت بالأرض تهتز مجددا من تحتها .. فجاهدت لتميل بوجهها نحو الدار ... و حاولت أن تحرك جفنيها لتختلس نظرة ضبابية باتت مستحيلة ... لم تدر أهو خداع البصر الذي هيأ لها تلك الخيوط المتصدعة التي بدأت تشق طريقها في الجدار؟! ... أم أنها خيوط الدم التي سالت علي عينيها ؟! ... حاولت النهوض ... لم تستطع ... سقطت المرة تلو الأخري ... زحفت نحو الدار ... ما عادت تميز أي شيء .. فالأصوات مختلطة و الرؤية مشوهة ... والأرض تهتز من تحتها ... بل كل شيء يهتز من حولها ... حاولت رفع بصرها الزائغ نحو السماء ... فوجئت بحذاء الجندي يغوص في وجهها ... فتهاوت رأسها من جديد ... نبشوا مخالبهم في شعرها المرسل في فوضي ... و جذبوا جسدها ... جروه من شعرها مخلفين أثرا من دماء ...  وألقوه داخل الدار ... تابعت الجرافات عملها ... تصدع الجدار .. وهوي السقف ... و انهدمت الدار.



تمت

الأرشيف

الإحصائيات