مقال بقلم : الأديب احمد بارود

.
يبدوا أننا مغرمون كثيرا بالعناوين اللافتة .. يستهوينا عرضها على مداخل المحال والمؤسسات وعلى البطاقات بأحرف جذابة،وغالبا انجليزية ،تسر الناظرين .. نحاول أن نستعيض بالاستعراض اللغوي عما لا نستطيع عرضه في ميدان الفعل والانجاز المادي .. ربما هذا انعكاس لحالة مرضية تسطو على تكويننا النفسي الذي تبلور وتشكل تاريخيا على قاعدة التناقض المستمر ما بين العجز المقيم من جهة " لأسباب كثيرة " والرغبة في تجاوزه من جهة ثانية .. ولا يتسع مقال صغير كما لا يستطيع قلم ما منفردا أن يلم بتلك الأسباب التاريخية ، فكرية وسياسة واقتصادية وعسكرية ، التي أسست وأرست قواعد التنمية المشوهة في بلادنا ، والتي آلت فيما ألت إليه إلى هذا التناقض الصارخ ما بين الشعار والميدان ، بين العنوان والمضمون بين الانجاز في اللغة وغياب الانجاز في الواقع ، بين القومية والقطرية، بين الوطنية والطائفية ، بين حقوق المواطنة واستبداد الأكثرية ، بين وحدة الدين وتصادم الفكر الديني ، بين كراهية الظلم والتحالف مع الظالمين ، بين الاعتراف بشرعية اسرائيل العنصرية المعتدية وعدم الاعتراف بشرعية مقاومة العنصرية والعدوان .

تناقضات وتعقيدات ليست بالتأكيد نتاجا طبيعيا لبنية العقل العربي أو الشرقي " المسطح " بلا أي عمق، كما تحاول كثير من الدراسات الاستشراقية المغرضة أن تؤكد ذلك .. بل والغريب أننا جميعا نتهم هذه الدراسات الغربية بالعدوانية والتعالي العنصري ، بل ونتفق أيضا في الرد على هؤلاء بأن ما يحدث هنا إنما هي تداعيات لجملة من العوامل والمؤثرات والمخلفات الاستعمارية الغربية التي نتهمها بصدق ونحملها قسطا كبيرا من المسؤولية عن تخريب الجغرافيا العربية وتعطيل آلية نمونا وتطورنا التاريخي السوي ، وتمزيق نسيج علاقاتنا مع انفسنا ومع العصر من حولنا .. بينما لا نحاول أن نثبت ونؤكد عمق العقل العربي في الرد على هذه المؤثرات من خلال اعادة النظر في واقعنا ومحاولة قراءة هذا الواقع برؤية عربية – قومية أو وطنية – مستقلة لنصبح مؤهلين للشروع في التحرر بعيدا عن وصاية الغرباء ونصائحهم " بالاصلاح والديمقراطية "

...... قد يقال هنا بأن هذه المسألة قد شغل عليها منذ أول عصر النهضة العربية مطلع القرن التاسع عشر ، وصال وجال في ميدانها كثير من الاتجاهات الفكرية والكتاب عربا ومسلمين سلفيين وعلمانيين قوميين وأوصوليين شيوعيين ومتدينيين ووووو .. هذا أمر معلوم ،بل ومعلوم أكثر أيضا أن أي من هذه الاتجاهات لم توفق في مهمتها ولم تنجز أهدافها في التحرر والاستقلال ، وذلك لأنها تمترست ، جميعها ، كل خلف رؤيتها إلى حد تحولت فيه الساحة إلى ميدان سجال واشتباك ، إن كان قد أغني العقل العربي والاسلامي بمحاولات وابداعات فكرية جديدة لم تصل ، للأسف إلى رؤى مشتركة يمكن الاتفاق والبناء عليها ، فإنها أيضا قد أثقلت هذا العقل بالارباك والحيرة .. وقد يكون لهذه النتيجة غير المثمرة على صعيد الوصول إلى تأسيس قواعد مشتركة فاعلة ومؤثرة في عملية النهضة والتحرر، سببا مهما يمكن اختزاله بأن هذا السجال وهذا الاشتباك الفكري قد قام على ركنين متناقضين لا يتقاطعان .. أولهما اعتماد التجربة الغربية مصدرا خالصا لتحقيق النهضة و التحرر والارتقاء إلى مصاف الندية مع الغرب .. وثانيهما اعتماد الخصوصية العربية والاسلامية الخالصة مصدرا للوصول إلى هذه الغاية .. أما محاولة التوفيق بين هاذين التوجهين المتناقضين فقد وقعت هي الأخرى في اشتباك على الجبهتين معا دون أن تخرج ، جدليا على الأقل ، بنتيجة يتفق أو يلتقي عليها الجميع .

لكن الأمر الملفت في هذا السياق والذي كان من المفروض التقاطه من هذه التجربة، بينما تم تغيبه فهو أن التعددية الفكرية وعدم الاتفاق فكريا قد أغفلت النظم القائمة في بلادنا أهميته ،بل ربما تعمدت ألا تأخذ به كحالة طبيعية تقتضيها ضرورة الحرية أو كأحد شروطها ، بقدر ما تم استثمار التعدد والاختلاف الفكري حجة تذرعت بها تلك النظم لحظر التنوع والتعدد السياسي منعا لانتقال" فشل الفكر" أو تكراره في الميدان السياسي !!!!

ما أريد أن أخلص إليه في هذه المقالة هو أن أطرح فكرة على كتاب "سما فلسطين" قد تثري ، على ما آمل ، حياتنا الثقافية والأدبية على هذه الصفحة الغراء .... فهل نتفق مثلا مع .. سما.. على أن نجعل لنا يوما ، كل أسبوع مثلا أو كل شهر نطرح فيه على أنفسنا وعلى أقلامنا عنوانا ما نتداول حوله يبحث في أسباب التناقض القائم ما بين الفكر والواقع ، الشعارو الميدان ، السياسة والأيديلوجيا الأمن والعقيدة وانعكاس كل ذلك على مجمل حياتنا العربية بأبعادها المختلفة السلوكية والفكرية والسياسية ... ما رأيكم دام فضلكم ؟؟؟؟

الأرشيف

الإحصائيات